بيتي هناك وأنا هنا
شوارع مقفرة، وأرصفة باردة، وأنوار خافتة، وحفيف أوراق، ونعيق غربان، وقلب معلق، ووسادة مبتلة، ولحظات متعبة لا تنتهي. عام ونصف من الغياب، وأنا معلقة بين جغرافيتين؛ جسد هنا، وذاكرة هناك، وبيت تحول من مساحة للسكن إلى قضية تختصر معنى الاقتلاع والنزوح وفقدان الحق في المكان.
بيتي هناك، وأنا هنا. وبينهما حياة كاملة توقفت في منتصف الطريق.
لم يكن الخروج يشبه الرحيل الذي نعرفه. لم أحمل حقيبة وأغلق الباب وأنا أعرف متى أعود. خرجت وأنا أظن أن الأمر مؤقت؛ أيام وتعيدني إلى سريري، وإلى كوب أعرف مكانه، ونافذة كنت أفتحها دون تفكير، وجدار حفظ ظلي أكثر مما حفظت ملامحه. لكن المؤقت طال، وما حسبته أسابيع صار عاماً ونصفا.
هناك، تركتُ ما لم أكن أعرف قيمته حين كان قريباً: نوافذ موصدة، وبابا لا يطرق، وكرسيا ينتظر، وجدرانا تتنفس الغبار، وعتبة حزينة لم تعتد الغياب. مفتاحا في جيبي يبكي، وبيتا يحفظ اسمي ورائحتي. تفاصيل صغيرة كانت جزءاً من الحياة العادية، وصارت بعد الغياب أثمن من العمر نفسه: رائحة درج، وصوت باب، وزاوية تستقبل شمس العصر.
وهنا أنا، روح منفية، أستيقظ على شارع لا يشبه شارعي، وأسمع أصواتاً لا أعرف أصحابها، وأمضي في يومي كأن الحياة تستأنف طريقها على نحو عادي. لكن شيئاً صغيراً وعنيداً يصر كل صباح على أن يقول لي: بيتك هناك.
تعلمت أن الغربة ليست أن تبتعد عن بيتك فقط، بل أن تفقد القدرة على تعريف كلمة البيت
تعلمت أن الغربة ليست أن تبتعد عن بيتك فقط، بل أن تفقد القدرة على تعريف كلمة البيت. هل هو المكان الذي أنام فيه، أم المكان الذي أعرف أصواته؟ كنت أظن البيت إسمنتاً وسقفاً يحمي الرأس، ثم اكتشفت أنه ذاكرة كاملة تتخذ شكل الجدران، وأن اقتلاع الإنسان لا يعني إخراجه من عنوان فحسب، بل اقتطاع جزء من سيرته وإبقاءه معلّقاً.
يعيد الغياب ترتيب قيمة الأشياء؛ فيصبح الكرسي ذاكرة، والنافذة حنيناً، والمفتاح أثراً، والغرفة وطناً كاملاً. قد تعيدني رائحة عابرة إلى هناك، أو مشهد إنسان
ارسال الخبر الى: