بيان شخصي ضد الهزيمة
ثمّة لحظة خفيّة، لا تُرى ولا تُسمَع، يتوقّف فيها المرء عن مطالبة الحياة بالكثير، لا لأنه اقتنع بالقليل، بل لأنه تعب من تبرير رغبته في الأفضل. تلك اللحظة أخطر ما يمكن أن يمرّ به إنسان؛ لأنها لا تأتي على هيئة سقوطٍ مدوٍّ، بل في صورة تسوية داخلية ناعمة، تُقنِع المرء بأن ما لديه كافٍ، وأن الطموح نوعٌ من الجشع المؤدّب، وأن الإيمان بالاستحقاق ترفٌ لا يليق بمن أُنهك طويلاً.
غير أن الحياة، حين تُقرأ بعمق، لا تكافئ من يتقن الانسحاب، ولا تُنصف من يتقن التبرير. الحياة، ببساطة قاسية، تميل إلى الذين يملكون شجاعة الاعتراف بأنهم جديرون، حتى وهم في أكثر حالاتهم هشاشة. ليس الإيمان بالاستحقاق شعاراً تحفيزياً، ولا خطاباً للاستهلاك السريع، بل موقف وجودي حاد، يبدأ من الداخل قبل أن يطالب الخارج بأي شيء.
كثيرون يضعون خططهم كما لو أن المشكلة تقيم خارجهم فقط: مدير ظالم، ظروف اقتصادية خانقة، واقع سياسي مرتبك، أو فرص لا تأتي في موعدها. ذلك كله صحيح، بل أحياناً جارح إلى حد لا يُحتمل، لكن الخطأ يبدأ حين يعتقد المرء أن مهمته الوحيدة تذليل ما يواجهه، لا مساءلة ما يسكنه. فالعقبات الخارجية، مهما تعقّدت، تظل أقل خطراً من تلك التي تتشكّل بصمت داخل النفس، حيث يتعلّم المرء كيف يُقلّل من شأن أحلامه، وكيف يُقنِع ذاته بأن التأجيل حكمة، وبأن التنازل نضج، وبأن الرضا القسري فضيلة.
لا تُبنى الخطط الذكية فقط لمواجهة العالم، بل لاختبار القدرة على مواجهتنا لأنفسنا. أن يسأل المرء ذاته: لماذا لا أطالب أكثر؟ لماذا أتردّد حين أقترب من الفكرة التي تُخيفني بقدر ما تُغويني؟ لماذا أقبل بما لا يشبهني تماماً، ثم أبرّر ذلك بالواقعية؟ هذه الأسئلة ليست جلدَ ذات، بل محاولة جادّة لاستخراج القوة المدفونة تحت طبقات الخوف والتعب والاعتياد.
القوة التي لا نعثر عليها عادة ليست غائبة، بل محاصرة. محاصرة بتجارب قديمة، بخيبات لم تُعالَج، برسائل سلبية تلقّاها المرء باكراً، حتى صار يكرّرها بصوته الخاص. حين يقول أحدهم إنك تبالغ في طموحك،
ارسال الخبر الى: