بنيوية أم تفكيك من البنية المغلقة إلى الاختلاف

108 مشاهدة
يشكل المنهج البنيوي والمنهج التفكيكي لحظتين متمايزتين في مسار الفكر الفلسفي والنقدي المعاصر وهما لحظتان ترتبطان ارتباطا جدليا من حيث النشأة والتأثير والامتداد البنيوية نشأت بوصفها محاولة لتشييد علم للثقافة على غرار العلوم الدقيقة أما التفكيك فقد ظهر كرد فلسفي وإبستمولوجي على النزعة الصورية الصارمة للبنيوية إن مقاربة المسارين معا تكشف عن التحول العميق الذي عرفته الفلسفة في القرن العشرين من البحث عن نسق علمي صلب إلى تفكيك كل مركز للمعنى ومن تصور النص كبنية مغلقة إلى النظر إليه كفضاء مفتوح على الاختلاف والتأجيل البنيوية من حيث المغزى الأساسي تبنى على الفرضية التي بلورها العالم اللغوي السويسري فرديناند دو سوسور الذي يعتبر أب المدرسة البنيوية في اللسانيات حيث اللغة نسق من العلاقات والدال لا يحيل إلى المدلول بذاته بل ضمن شبكة من الفروق البنية إذن ليست مادة محسوسة بل نظام من العلاقات يتحدد فيه كل عنصر بموقعه داخل النسق هذه الفرضية الأولية سرعان ما انتقلت إلى مجالات أخرى في الأنثروبولوجيا مع عالم الاجتماع والأنثربولوجيا الفرنسي كلود ليفي شتراوس الذي رأى في الأساطير والعادات أنساقا يمكن مقارنتها وفهمها من خلال بنيتها العميقة في التحليل النفسي مع المحلل النفسي الفرنسي جاك لاكان الذي أعاد قراءة عالم النفس سيغموند فرويد عبر بنية لغوية وفي النقد الأدبي مع المفكر والناقد الأدبي الفرنسي رولان بارت والمفكر الفرنسي البلغاري تزفيتان تودوروف اللذين درسا النصوص بوصفها أنظمة دلالية مغلقة على قوانينها الداخلية ما يجمع هذه التطبيقات هو الرغبة في تجريد الظواهر الإنسانية من العرضي والتاريخي والبحث عن قوانين عامة تحكمها بما يشبه القوانين الطبيعية في الفيزياء أو الكيمياء نشأ التفكيك في سياق نقدي يهدف إلى تقويض صرامة البنيوية ونزعتها إلى إغلاق النصوص تاريخيا ظهرت البنيوية في النصف الأول من القرن العشرين لكنها بلغت ذروتها في خمسينيات وستينياته وقد لقيت رواجا واسعا في فرنسا خاصة ثم انتشرت في أوروبا والولايات المتحدة حتى صارت بمثابة النموذج المهيمن في العلوم الإنسانية كانت قوتها تكمن في صرامتها المنهجية وفي طموحها لتجاوز التأويلات الذاتية والهامشية نحو علمية دقيقة لكن في المقابل هذه القوة كانت مصدر ضعفها إذ بدا أنها تسلب الظواهر الثقافية من تاريخيتها ومن فاعلية الذوات التي تنتجها وبذلك وجهت إليها انتقادات بأنها تغلق النصوص داخل بنيات صورية لا تعترف بالسياق الاجتماعي والسياسي هنا تحديدا برز التفكيك وهو المشروع الذي ارتبط باسم الفيلسوف والناقد الأدبي جاك دريدا منذ ستينيات القرن العشرين التفكيك ليس منهجا بالمعنى التقليدي بل ممارسة فلسفية ونقدية تستهدف الكشف عن التوترات الداخلية التي تنخر أي بناء نظري أو نصي دريدا انطلق من تحليل الميتافيزيقا الغربية التي قامت على ثنائية الحضور والغياب الكلام والكتابة الأصل والفرع كان يرى أن الفكر الغربي منح الامتياز للحضور على الغياب وللكلام على الكتابة لكنه لم يلحظ أن ما يسميه حضورا يقوم دوما على أثر غائب وأن ما يعتبره أصلا ينطوي على تبعية لما هو مؤجل التفكيك بهذا المعنى يكشف أن المعنى غير ثابت ولانهائي بل هو دوما في حركة اختلاف لا تنتهي حيث كل دال يحيل إلى دال آخر في سلسلة لا نهاية لها فلا يتحقق المدلول النهائي المزعوم تبحث البنيوية عن التماثل والثبات في حين أن التفكيك يبحث عن الاختلاف والتعدد نشأ التفكيك في سياق نقدي يهدف إلى تقويض صرامة البنيوية ونزعتها إلى إغلاق النصوص لكنه لم يكتف بذلك بل تحول إلى أفق فكري أوسع شمل النقد الأدبي الفلسفة النظرية السياسية دراسات القانون النقد النسوي ودراسات ما بعد الاستعمار في الولايات المتحدة خصوصا منذ سبعينيات القرن العشرين صار التفكيك أحد أهم المرجعيات في أقسام الأدب والعلوم الإنسانية وأثر في جيل كامل من النقاد والفلاسفة ما يميز البنيوية هو نزعتها النسقية وسعيها إلى إقامة علم للثقافة يتعامل مع النصوص كما يتعامل عالم الأحياء مع الكائنات النص عندها هو بنية مكتفية بذاتها والعلاقات الداخلية هي مفتاح المعنى أما التفكيك فيرفض هذه النزعة العلمية الصارمة ويرى أن النص ليس مغلقا بل مفتوح على لانهائي من إمكانات القراءة البنيوية تبحث عن التماثل والثبات في حين أن التفكيك يبحث عن الاختلاف والتعدد البنيوية تفترض إمكانية وجود معنى كامن ومستقر في البنية بينما التفكيك يكشف أن كل معنى مؤجل ويقوم على غياب ما ومن هنا يتضح أن التفكيك ليس مجرد استمرار للبنيوية بل هو قطيعة معها وإن انبثق منها لا يمكن فهم التفكيك من دون استحضار البنيوية كما لا يمكن إدراك حدود البنيوية إلا عبر ما كشفه التفكيك من حيث الانتشار مثلت البنيوية اتجاها عالميا في منتصف القرن العشرين لكنها فقدت الكثير من بريقها مع صعود ما بعد البنيوية أو ظهور المنهج التفكيكي ومع ذلك تركت آثارا باقية في مناهج التحليل النصي وفي علوم مثل الأنثروبولوجيا وعلم النفس أما التفكيك فظل مثار جدل واسع مؤيدوه اعتبروه فتحا نقديا غير مسبوق يتيح التفكير في الهامش والمقموع واللامفكر فيه وخصومه اعتبروه نسبية مفرطة تفضي إلى العدمية غير أن تأثيره في إعادة صياغة العلاقة بين النص والقارئ بين المعنى وسياقاته وبين الفكر وموروثه الميتافيزيقي لا يمكن إنكاره في مستوى الفكر الفلسفي يمثل المنهج البنيوي محاولة لإعادة تأسيس العلوم الإنسانية على نموذج معرفي قريب من العلوم الطبيعية إنه مشروع يراهن على الموضوعية والصرامة وعلى إمكانية الكشف عن القوانين العميقة التي تحكم الثقافة واللغة والأسطورة التفكيك بالمقابل يمثل انفتاحا على ما يستعصي على الاختزال العلمي على الاختلاف والغياب والتأجيل وكل ما لا ينضوي تحت البنية الصورية لقد جعل الفلسفة تواجه حدودها وكشف أن البحث عن أصل ثابت أو حضور كامل هو في ذاته وهم ميتافيزيقي بين البنيوية والتفكيك يتشكل المشهد الفلسفي والنقدي الذي ما زال أثره ممتدا حتى اليوم يظهر الجمع بين البنيوية والتفكيك أن الفكر المعاصر مر بتحول نوعي من الرغبة في التأسيس لعلمية صارمة إلى الانخراط في نقد تلك العلمية نفسها الأولى مثلت إرادة النظام والصرامة والثانية جسدت إرادة النقد والزعزعة ولا يمكن فهم التفكيك من دون استحضار البنيوية كما لا يمكن إدراك حدود البنيوية إلا عبر ما كشفه التفكيك إنهما ليسا مجرد منهجين متعارضين بل هما مرحلتان في مسار واحد حيث الأولى هي شرط ظهور الثانية والثانية هي لحظة نقدية أعادت النظر في الأولى لقد أثرت البنيوية في العلم بقدر ما أثرت في الفلسفة إذ أعادت تشكيل الأنثروبولوجيا والتحليل النفسي واللسانيات وأثر التفكيك في الفلسفة بقدر ما أثر في النقد الأدبي إذ فتح آفاقا جديدة أمام التفكير في النصوص والهويات والسياسة والمعرفة كلاهما إذن تجاوز حدوده المباشرة ليترك بصمة عميقة في الفكر المعاصر وإذا كان بعضهم يرى أن التفكيك أنهى مشروع البنيوية فإن الدقة تقتضي القول إنه أعاد صياغة أسئلتها في أفق جديد حيث لم يعد السؤال عن البنية بل عن الاختلاف ولم يعد الهم هو البحث عن قوانين بل عن إمكانات إن البنيوية والتفكيك كل على طريقته يمثلان استجابة لتحديات القرن العشرين الأولى عبر طموح علمي إلى ضبط الثقافة واللغة ضمن أنساق قابلة للتحليل والثاني عبر مساءلة ذلك الطموح نفسه وإظهار أن المعنى غير قابل للاختزال في أي نسق وبين هذين القطبين يتشكل المشهد الفلسفي والنقدي الذي ما زال أثره ممتدا حتى اليوم

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح