بناء الكراهيات

30 مشاهدة

تحيلُ اللغة إلى الاتصال وبناء العلاقات، وهذا الفهم المبدئي لها، يصوّرها سعياً إلى الآخر. إلا أنّ بوسع اللغة، ما إن تتحوّل إلى خطاب أيديولوجيّ بين مجموعات متصارعة، أن تحيلَ إلى عكس دورها، خصوصاً مع ارتباطها بطريقة استخدامها. وعوض نسج العلاقات في إطارٍ من التسامي والجلاء، يمكن أن تكون سبيلاً إلى بناء الكراهيات.

في كتاب عالم اللسانيات الهولندي تون أ. فان دايك الأيديولوجيا والخطاب: مقدمة متعددة التخصصات بترجمة سعيد بكار ولحسن بوتكلاي (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023) تتحدد الاستراتيجية العامة لبناء الخطاب الأيديولوجي بين المجموعات المتصارعة، في أن نقول أموراً إيجابية عنّا، وأموراً سلبية عنهم، إذ يمكن لهاتين الطريقتين أن تحدّدا اللغة في حديثنا عن أنفسنا وعن الآخرين، يتّصل بهما أيضاً إخفاء الأمور السلبية عنّا، وإخفاء الأمور الإيجابية عنهم، وهو ما يدعوه فان دايك المربع الأيديولوجي.

كذلك فإنَّ الخطاب المحكوم بالأيديولوجيات العنصرية، بحسب فان دايك، ينزع إلى تمثيل الأقليات بصفتهم هم، ويضفي عليهم نوعاً من التجانس، عبر استخدام تعابير معمّمة، وذلك عوض الحديث عنهم بصورة فردية. بهذا المعنى، فإن الأوصاف التي يُنعتون بها تعكس من الناحية الدلالية، تباعداً اجتماعياً، وهو تباعد تمليه أساساً أيديولوجيات عنصرية.

ويستدلّ فان دايك على هذه الخلاصة، من بحث أُجري في هولندا لفهم الخطاب الذي يُستخدم مع الأقليات -أو بالأحرى ضدّهم- إذ عند الحديث عن عنف الشرطة الهولندية مع المهاجرين، تُستخدم لغة تبسّط التفاصيل، وتخفّف من وطأتها. لكن عند الحديث عن الأقلية، وهم هنا المهاجرون، تميل اللغة إلى الاستفاضة والتفصيل في إجرامهم، والتعميم على مجموعة المهاجرين صفاتٍ تحطُّ منهم.

كذلك تبدو الوظيفة الإقصائية للغة أكثر وضوحاً في أزمنة الحروب، التي تصنع لغتها، عبر اشتمالها على استخدام اللغة أداةً للتصنيف، ووصم الجماعات بعضها بعضاً، من خلال تصوير الآخرين، الأغيار، الخصوم، بصفات القباحة والشؤم. بهذا تصبح اللغة سبيلاً إلى بناء القطيعة، عبر تبنّي تمثيلات لغوية مشوّهة داخل علاقات المجتمعات المتصارعة، وهي تمثيلات تتراكب في الأغلب على هويّات متخيّلة، سياسيَّة الجوهر.

الخطاب المحكوم بالأيديولوجيات العنصرية، يضفي على

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح