بلدة في قلب الإعصار كأن السماء وهم مؤقت
تبرز المخرجة ألكسندرا لاسي صانعة أفلام تُتقن تحويل المآسي إلى قصص مُلهمة، إذ تسرد الحكايات الإنسانية عبر عدسة الكاميرا بأسلوب وثائقي. في فيلمها الجديد لهذا العام بلدة في قلب الإعصار (The Twister: Caught in the Storm)، الذي يُعرض على نتفليكس، تلتقط لاسي لحظة تاريخية مروعة في بلدة جوبلين بولاية ميزوري الأميركية، حين ضربها إعصار من الفئة الخامسة (EF-5) في مايو/أيار 2011، مُخلفاً دماراً هائلاً و161 قتيلاً.
لا يكتفي الفيلم بتوثيق الكارثة، إذ يذهب بعيداً بانغماسه في أعماق القصة الإنسانية، مُستكشفاً كيف تُعيد الكوارث صياغة الهويات، وتُلهم القوة في مواجهة العجز.
تدور الأحداث في عالمٍ تتصاعد فيه درجات الحرارة، وتُحاصرنا حرائق الغابات، وتنهش الأعاصير المدن. وأفلام الكوارث الطبيعية لم تعد مجرد خيالٍ سينمائي، بل مرايا تعكس هواجسنا الجَماعية. السينما الوثائقية الحديثة، خاصة تلك التي تُصنف تحت مسمى أفلام نهاية العالم، تحوَّلت إلى منصاتٍ فنية لفكِّ شفرات العلاقة المضطربة بين البشر والطبيعة. هذه الموجة السينمائية تُعيد تعريف دور الفن في مواجهة الأزمات البيئية.
يبدأ الفيلم بتهيئة سردية ذكية تربط بين تخرُّج مجموعة مراهقين من المدرسة الثانوية ونبوءات نهاية العالم التي انتشرت آنذاك، ما يُضفي طابعاً درامياً مُريباً على الأحداث. تُحيل لاسي إلى التناقض بين احتفالية التخرُّج وبين الكارثة الوشيكة، وكأن الطبيعة قررت اختطاف لحظة الفرح هذه. عبر مقابلات مع الناجين، مثل كايلي وماك وسيسيل، تُبنى القصة على ثنائية الخوف والأمل، فبينما كان المراهقون يُناقشون نبوءات الاختطاف الإلهي (The Rapture)، وجدوا أنفسهم في مواجهة اختطافٍ حقيقي مارسته قوى الطبيعة.
الفيلم لا يُقدّم الإعصار حدثاً منعزلاً، بل حالة وجودية تُجبر الشخصيات على مواجهة هشاشة الحياة. تُبرز لاسي حكاية سيسيل، الشاب المثلي الذي خشي أن يُترك خلفاً بسبب ميوله، بينما يروي ستيفن كيف نجا من الموت، بعد أن امتصّ الإعصار جسده من السيارة، ليعيش معجزة طبية بفضل جراحة استئصال أجزاء تالفة من جسده. هذه القصص تُحوّل الكارثة من حدثٍ جوي إلى رحلة داخلية، إذ يُعيد الناجون بناء ذواتهم وسط الركام.
ينغمس الوثائقي في قصص الناس
ارسال الخبر الى: