بين بغداد وصنعاء شجاعة الدولة في وجه السرديات المريضة

طبعا لم تكن زيارة الرئيس اليمني الدكتور رشاد العليمي إلى بغداد مجرد حضور بروتوكولي في قمة عربية جديدة.
بل لقد كانت إعلانا رمزيا عميقا بأن الدولة اليمنية، رغم كل الجراح، ما تزال تقبض على زمام قرارها العربي، وتحسن اختيار توقيت رسائلها السياسية، حتى في أحلك اللحظات.
والشاهد أن يذهب رأس الدولة اليمنية إلى بغداد، عاصمة معقدة لا تخلو من النفوذ الإيراني، ويصعد إلى منبرها ليعلن بوضوح موقف اليمن الرافض للميليشيات، العابثين، والانقلابيين ومن يقف خلفهم، فهو موقف لا يفتقر إلى الشجاعة فحسب، بل إلى إدراك استراتيجي يتجاوز اللحظة السياسية إلى المعركة الأعمق: معركة استرداد السردية العربية من براثن التغريب الطائفي.
والحق يقال إن قرار المشاركة بتمثيل رفيع المستوى لم يكن سهلاً. بل لم تكن المغامرة في الجغرافيا، بل في الرمزية. فبغداد، رغم عمقها العربي، ظلت لعقدين مرتهنة بنسبة كبيرة لإرادة غير عربية، لإملاءات دولة تُجيد الاستثمار في الفراغات الطائفية والخيبات العربية.
ولقد كان يمكن الاكتفاء بتمثيل منخفض، لكن الرسائل لا تصل همساً حين تكون الأوطان في خطر. الرسائل تصل حين يُقرع جرس العروبة من داخل المدن التي يُراد لها أن تنسى عروبتها.
على إن خطاب الرئيس العليمي لم يكن دبلوماسياً عادياً.
بمعنى أدق لم يختبئ خلف العبارات الناعمة، بل صاغ حضور اليمن كقضية، لا كضيف.
تحدث باسم اليمنيين جميعاً، ورفض أن يُختصر اليمن في عصابة جاثمة على صدور الناس، تعيث فساداً تحت شعارات مستوردة لا تمُتُّ للهوية اليمنية بأي صلة.
ولقد قالها اليمن في بغداد: لا لحكم الميليشيات، لا لتمزيق الجغرافيا العربية، لا لعبث إيران. ومن هناك أيضاً، من قلب عاصمة الرشيد، مد اليمن يده مجدداً للعرب، مشيداً بمواقف مصر والسعودية والإمارات، ومهنئاً سوريا بعودتها، دون أن يقع في فخ الابتذال السياسي أو المزايدات الباهتة.
صدق لم تكن زيارة الرئيس مجرد رد على إيران، بل كانت تذكيراً بأن اليمن، رغم تمزقه الظاهري، لا يزال يحتفظ بعقله العربي، بقلبه العربي، وبمصيره العربي. وأن صنعاء ليست مجرد ورقة تفاوضية في ملف إقليمي،
ارسال الخبر الى: