بعيدا عن البنكسة السياسية قريبا منها

24 مشاهدة

للبناكس في ذاكرتنا الجمعية دلالة مترعة بشجون دافئة، عندما كان البنكس - في عصر ما قبل الجوال وتطبيقات التواصل - أمين سر رسائل الوجد والاشتياق، وأخبار العوائل والأصدقاء، وانثيالات مشاعر العشاق، وسواها.

كان للبنكس بإطاره المرقط بالأزرق والأحمر سيمياء لها في الذات ما لا تحيط به صفة، فظل بعد أن تولى زمانه مستقراً في الذاكرة كأجمل ما في الماضي من أشياء صغيرة، لها عبقها الخاص، حد أن تضم أو تشم أم مشتاقة بنكس ابنها المهاجر، أو تنام زوجة أو حبيبة محتضنةً بنكس من يؤرقها الاشتياق إليه.
كان للبناكس تجليات شاهقة في الخيال والإحساس والذاكرة. لكن التطور الدلالي - عفواً، أعني التدهور الدلالي - خطف من البناكس أجمل ما فيها، ليصِمَها بأسوأ ما في أناس تهافتوا حد السقوط أمام مال سياسي عابث، فأداروا ظهورهم لمبادئ ليست للبيع، وسقطوا في مهواة الانقياد الاستعبادي؛ فصارت (البَنكسة) صفة قبيحة، تقال في سياق تحيط به الفضيحة من كل جانب.

لكن أسوأ ما في هذا التدهور الدلالي أنه يطفئ في الروح جماليات بسيطة، فيجني على ذكريات أجيال كانت لها حكاياتها مع كل بنكس جميل لم ينطفئ في أعماقها على مدار عقود من البساطة والحميمية.

الآن، تنتقل الدلالة من المجرد إلى الحسي، على العكس من آلية التطور الدلالي الطبيعية، فلا شيء سوى المال السياسي ثمناً لتوظيفٍ فيه من الفضيحة ثقل ما فيه من السقوط، لا تواري سوءته مبررات الواقعية والمرونة والوطنيات الهشة.

على أن من الطريف أن الاشتقاق القديم لم يجُر على دلالة (البنكس) الإيجابية، إذ يقال: فلان تبنكس، لا بالمعنى الرائج الآن، بل في سياق الإفحام، عندما تكون حجة من يقابله أقوى، فيُستعار الفعل (تبنكس) لوصفه، تشبيهاً له بالبنكس الذي يُختم او يغلق بغراء أو مادة صمغية، إيغالاً في الدلالة بأن ذلك الفلان أُسقِط في يده، فقد أُلجمَ أو أُغلق فمه ، مثلما يغلق البنكس. أما اليوم فلا يعني قولهم:تبنكس فلان سوى أنه باع الجمل بما حمل، أو باع القلعة، كما هو حال من بلّدت (حنانيص)

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع المشهد العربي لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح