بطالة ثقافية مصباح الغوري
16 مشاهدة
تعيش الثقافة في اليمن حالة بطالة مدقعة على المستويين الرسمي والشعبي ففي بلد أنهكته الحرب وأثقله الغلاء صارت أولويات المواطن تتمثل في أمرين البحث عن مكان آمن لا يسمع فيه وأسرته أزيز الرصاص ولا يشم دخان القذائف والحصول على مصدر دخل يضمن له ولأسرته في أحسن الأحوال حالة مقبولة من الكفاف والعوز وفي كلا الأمرين يظل المواطن في ركض مستمر هاربا من الجوع هاربا من الموت فأنى للثقافة بعد ذلك أن تحضر في هذه الأجواء المسمومة ويستغرب المتأمل حد الحيرة من غياب الصوت الثقافي في الأحداث الكبيرة التي شهدتها اليمن في العقد الأخير وكان آخرها ما حدث في المحافظات الشرقية والجنوبية سمعنا أصوات السياسيين والقادة العسكرين وعلماء الدين وسمعنا أصوات المناهضين والمؤازرين من العامة سمعنا كل ذلك في محيط هائج من التجاذبات وصراع الرؤى والأفكار إلا المثقفين لم نسمع منهم شيئا غير منشورات مرتعشة في وسائل التواصل الاجتماعي وكان المفترض بهم أن يكون لهم موقف جماعي إزاء كل ما يحدث أن تكون لهم اجتماعات وملتقيات أن تصدر عن مؤسساتهم المعروفة كاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين ونقابة الصحفيين اليمنيين بيانات توضح مواقفهم من القضايا المختلفة الثقافة غائبة إذن لا المؤسسات الثقافية المدنية تدرك حجم هذا الغياب وآثاره السيئة ولا الفضائيات استطاعت الخروج عن الخطوط السياسة المرسومة ولا المؤسسات الثقافية الرسمية بدءا بوزارة الثقافة وانتهاء بمكاتب الثقافة في المحافظات المحررة استشعرت دورها المناط بها الجميع فضل حالة الموات الثقافي تاركين الحبل على الغارب ببرود يشبه برود الموتى وصمت يشبه صمت القبور نسمع بين الحين والآخر بمناصب توزع تحت لافتة الثقافة وأسماء تذهب وأخرى تأتي لكننا حتى اليوم لم نر منبرا رسميا يحشد المثقفين تحت راية القيم الوطنية الكبرى ويقول لهم تكلموا أسمعونا أصواتكم قولوا إن هذا الغياب الصادم للثقافة والمثقفين عما تعيشه اليمن اليوم من أحداث جسام لم يأت اعتباطا وإنما جاء بتخطيط وتدبير محكمين غياب أعلى من شأن السياسي على كل ما عداه وركن المثقف في زاوية بعيدة مشغولا بلقمة العيش يستهلكه اليومي والعابر من متطلبات الحياة ولكي يثبت أنه ما يزال حيا بين الفينة والفينة فإنه في أحسن الأحوال يرمي ببضع كلمات في منشور بائس ثم يعود إلى مشاغله ومتاعبه إن تهميش المثقف ونفيه بعيدا عن مجريات الواقع لهو إقصاء للوعي بغية ديمومة الفوضى وبقاء الزوابع وانتشار الغثائية وتسيد اللامبالاة في كل مفاصل الحياة ولست أدري ما نوع المبررات التي يمكن أن تطرحها وزارة الاعلام والثقافة ومكاتبها الموقرة في المحافظات لهذه البطالة الثقافية المتفشية وزارة غير واعية لدورها المنشود ومكاتب بائسة لا تقدم شيئا ولا تؤخر غاب فيما بينها روح التنافس وأضاعت في زحمة الصراع على المناصب والمكاسب والمكاتب بوصلة الفعل والمبادرة وفقدت فاعليتها حتى بلغ بها الأمر مبلغ العاجز المشلول لا يهش الذباب عن وجهه ناهيك عن نفع الناس وأصبح جديرا بها أن تسمى مكاتب البطالة لا مكاتب الثقافة
ارسال الخبر الى: