كتب بشير إبراهيم الأمير صنعاء حين يصير الحنين وطنا
اخبار محلية

الشوق إلى صنعاء ليس مجرّد نزوة قلبٍ عابر، بل ارتجافة روحٍ تعرف جيداً أنّها اقتُلعت من جذورها، وأنّ ما تبقّى منها يمشي على الأرض بنصف حياة.. صنعاء لا تُغادَر كما تُغادَر المدن، بل تُغادِرُك أنت، تخلعك من نفسك، وتتركك في صحراء داخلية لا تُرى، لكنها تُقفر كل شيء.
كيف يمكن لمدينة أن تتحوّل إلى وجعٍ بهذا العمق؟ كيف لها أن تسكن فيك حتى إذا ابتعدتَ عنها، شعرتَ أن المسافة ليست بين مكانين، بل بين قلبين؟ صنعاء ليست حجارةً تعانق السماء، ولا نوافذ ملوّنة تبتسم للشمس، ولا أزقّةً تنام على رائحة البنّ وطعم اللوز والزبيب… صنعاء كائنٌ حيّ، يربّت على كتفك في الصباح، ويجلس إلى جوارك مساءً، ويعلّمك كيف تصغي لصمتك.
أشتاق إليها كما يشتاق الغريب إلى اسمه الأول… كما يشتاق الطفل إلى صدر أمّه بعد بكاء طويل لا يفهم سببه. أشتاق إلى هوائها الذي لا يُشبه الهواء، إلى تلك البرودة التي كانت تتسلّل إلى الروح فتوقظ فيها شيئاً لا يُقال.. أشتاق إلى خطواتي فيها، فالأرض كانت تعرفني، والأرصفة تحفظ وزني، وتحنّ إلى عودتي.
في صنعاء، يمشي الوقت على مهل، مثل شيخٍ حكيمٍ لا يريد أن يصل؛ لأن الوصول نهاية، والنهايات لا تليق بالمدن التي تُحبّ الحياة. أما هنا… فالوقت يركض كأنه يهرب من شيء، يمرّ دون أن يترك أثراً، فالأيام لم تعد تُكتب، إنّما تُمحى فور وقوعها.
أحنّ إلى لياليها… إلى السكون الذي لم يكن صمتاً، بل لغةً خفيّةً بين النجوم والنوافذ.. إلى ضوء القمر وهو ينزلق على الجدران الطينية كقصيدةٍ تحتاج إلى قارئٍ يدرك مغزاها.. إلى تلك اللحظات التي كنتُ أظنّها عادية، فاكتشفتُ بعد الفقد أنها كانت كلّ شيء.
صنعاء ليست في الذاكرة فقط… إنها في التفاصيل التي تلاحقني رغماً عني. في رائحة الخبز التي تخدعني كلما مررتُ بمخبزٍ بعيد.. في صوتٍ يشبه ضحكة قديمة.. في نافذةٍ تشبه نافذتها، لكنها لا تُطلّ على قلبي.
أتعلم؟
المدن الأخرى تُعاش… أمّا صنعاء، فتُفتقد.
وكلّما حاولتُ أن
ارسال الخبر الى: