جوان بايز ضد ترامب من أغاني الاحتجاج إلى القصائد اللاذعة
53 مشاهدة
ظلت مغنية الـفولك والناشطة الحقوقية والشاعرة الأميركية جوان بايز nbsp Joan Baez وفية لنضالاتها التي جعلت منها ضميرا تشكل حيا وسط الصراعات الكبرى من أجل الحرية والعدالة والسلام ذلك أن اسمها ارتبط منذ ستينيات القرن الماضي بحركات الحقوق المدنية والاحتجاج ضد الحروب والدفاع عن المهمشين حتى صار صوتها مرادفا للصدق الأخلاقي قبل أن يكون علامة فنية على الالتزام nbsp برز هذا الالتزام الحقوقي شعريا في نوفمبر تشرين الثاني الماضي حين نشرت قصيدتها الديدان الخضراء الصغيرة رسالة إلى الرئيس ولم تتردد لحظة واحدة في الهجوم على سياسات دونالد ترامب بوصفها تهديدا مباشرا لقيم ناضلت من أجلها طوال حياتها كرامة الإنسان وحق المهاجرين والمساواة العرقية وحرية التعبير واحترام البيئة والعدالة الاجتماعية تآكل الذكاء الأخلاقي فإذا كانت قد دأبت في حفلاتها خلال سنوات حكم ترامب على تحويل الأغنية إلى بيان احتجاجي من خلال إحياء أغاني الاحتجاج القديمة مع إضفاء دلالات جديدة عليها فإنها في قصيدتها الشعرية تستخدم الدودة الخضراء الصغيرة استعارة لتآكل الذكاء الأخلاقي لدى الرئيس الأميركي بسبب دودة خضراء دخلت دماغه والتهمته تقول كنت أفكر في دودة خضراء صغيرة شقت طريقها إلى قشرة الفص الجزيري الأمامي لديك وهو الجزء من الدماغ الذي ينشأ منه التعاطف إنه مثل العضلات يمكن تطويره بالممارسة لكن الدودة الخضراء الصغيرة التهمت دماغك بسرعة ثم واصلت التهامها حتى وصلت إلى قشرة الفص الجبهي المسؤولة عن التحكم في الاندفاع وتنظيم السلوك الاجتماعي وهي تهدف إلى منعنا من التفوه بألفاظ بذيئة أو اتهام جميع المهاجرين المكسيكيين بأنهم مجرمون ومغتصبون وتجار مخدرات ترفض منطق السلطة القائم على الاستعراض والتضليل الإعلامي وتضيف القصيدة هناك إحدى نوبات غضبك التي تظل غير مفلترة وحقيقية يمكنني أن أقف في وسط الجادة الخامسة وأطلق النار على شخص ما ولن أفقد أي ناخبين ماذا يمكن أن تفعل دودة خضراء صغيرة سوى أن تقضم الدماغ وهو العضو الكبير المسؤول عن اللغة والذاكرة والتفكير المنطقي والتعلم وكل الوظائف التي تشكل الذكاء الأساسي لكن يا للأسف لا يوجد شيء هناك ترفض جوان بايز منطق السلطة القائم على الاستعراض والتضليل الإعلامي وتبسيط القضايا المعقدة في شعارات عدوانية لأنها تؤمن أن هذا النمط من الحكم يهدد جوهر الديمقراطية ويحول السياسة إلى مسرح لذلك ظلت تدافع عن حق الاحتجاج بوصفه إحدى الركائز التي لا غنى عنها لأي مجتمع يريد أن يظل حيا أخلاقيا إيقاظ الذاكرة المثير في التجربة الشعرية لبايز أنها لم تتعامل مع الكلمات بوصفها ملاذا جماليا معزولا عن الواقع بل بوصفها فعل مقاومة قادرا على اختراق الضجيج وإيقاظ الذاكرة وبناء التضامن ولهذا رغم تقدمها في السن لم تنسحب من الفضاء العام ولم تلذ بما يسمى الحكمة المتأخرة بل استمرت تعاكس بقلمها اللاذع وصوتها الهادئ السياسات الظالمة وفية لمسار أخلاقي وفني يرى في المقاومة شكلا من أشكال الحب كما يتضح في ديوانها الأخير عندما ترى أمي اطلب منها أن ترقص الذي تعتبره هي نفسها ثمرة سنوات من التأمل الشخصي والعلاج النفسي من الاكتئاب ففي هذا الديوان تتنقل بايز بين منحيين عاطفي ورمزي كما يظهر في قصائد مثل الليلة الباردة وأحلام وغياب إذ يتحول كل شعور أو ذكرى إلى فضاء للتعبير الفني والوجداني وكأنها تعيد صياغة حياتها عبر الشعر تلك الصياغة التي عبرت عنها باقتدار كبير في قصيدتها الشهيرة إلى حبيبها بوب ديلان الماس والصدأ إذ تسترجع الحب الأول وألم الفقدان والوعي العاطفي وهو ما تجسد في كلمات أغان أخرى مثل وداعا أنجيلينا والحب مجرد كلمة من أربعة حروف وتأسيسا على ذلك يمكن القول إن شاعرية بايز تدفقت في أغانيها كما في قصائدها منذ أن كانت شابة في منتصف العشرينيات وديلان في بدايات مسيرته الفنية إذ كان الاثنان جزءا من مشهد الـفولك بايز بموهبتها الصوتية وأسلوبها الشعري وديلان بقدرته الإبداعية وروحه الثورية فقد كانت العلاقة بينهما مزيجا من الانجذاب والإعجاب الفني والصراع الشخصي والتقلبات والغياب والفراق المؤقت حافظت على صوتها الفريد بين الأغنية والشعر والموقف الإنساني تقدم لنا مسيرة بايز على امتداد ستة عقود سجلا يضعها ضمن قائمة الشعراء الحقيقيين الملتزمين بقضايا حقوق الإنسان فشعرها يجمع بين التجربة الحياتية والحس الأدبي والموقف الأخلاقي كما أنها حولت كلماتها إلى فضاء متكامل للتعبير عن الذات محافظة على صوتها الفريد بين الأغنية والشعر والموقف الإنساني ضد العنصرية وحرب فيتنام ولدت جوان بايز في 9 يناير كانون الثاني 1941 في مدينة نيويورك ونشأت في أسرة مثقفة تهتم بالعلم والسلام فوالدها كان عالم فيزياء من أصل مكسيكي ووالدتها من أصول اسكتلندية بدأت انطلاقتها الفنية سنة 1959 حين شاركت في مهرجان نيوبورت للموسيقى الشعبية إذ لفتت الأنظار بصوتها النقي وأسلوبها البسيط الصادق إلى أن أصبحت في الستينيات رمزا لجيل كامل بخاصة بعد انخراطها في حركة الحقوق المدنية وشاركت في المسيرات التي قادها مارتن لوثر كينغ وغنت في المظاهرات دفاعا عن السود وضد التمييز العنصري كما كانت من أبرز المعارضين لحرب فيتنام وقد ارتبط اسمها في تلك المرحلة ببوب ديلان الذي دعمته في بداياته وشاركت معه في حفلات وجولات فنية قبل أن يفترقا فنيا وعاطفيا nbsp خلال السبعينيات والثمانينيات واصلت جوان بايز مسيرتها الفنية ووسعت اهتمامها بالقضايا العالمية فدعمت حقوق الإنسان في أميركا اللاتينية وساندت ضحايا الدكتاتوريات وناهضت التعذيب والقمع السياسي أما في العقود الأخيرة فقد واصلت الغناء والكتابة وأصدرت عدة ألبومات وديوان شعر كما أعلنت تقاعدها من الجولات الفنية سنة 2018 بعد مسيرة امتدت أكثر من ستين عاما