حين باع الكاتب ظله

يمنات
عدنان الدوسري
كان المساء يهبط على المدينة ببطء، كأنه يخشى أن يرى ما تركه النهار من وجوه مهزومة. وكانت الأرصفة تزدحم بالعابرين، فيما تتدلى من واجهات المحال أضواء شاحبة لا تكفي لإنارة العتمة التي تسكن صدور بعض الرجال.
في ذلك المساء الخريفي، كان رجل في منتصف الخمسينيات يمشي على الرصيف بخطوات متعبة،يحمل بين ذراعيه صندوقا ورقيا تآكلت أطرافه من كثرة ما انتقل بين يديه والأرصفة. لم يكن في الصندوق طعام، ولا ثياب قديمة، ولا بضاعة ينتظر صاحبها أن يربح منها شيئا.
كانت فيه مؤلفاته؛ ثلاث مجموعات قصصية وروايتان، أمضى في كتابتها سنوات من عمره، واقتطع لها من نومه وصحته وأحلامه ما لم يعد قادرا على استرداده.
كان كاتبا وروائيا عرفته بعض الصحف والمنتديات الأدبية، وصفق له الحاضرون في أمسيات كثيرة، وكتبت عنه مقالات أشادت بلغته وقدرته على تشريح النفس البشرية.
لكنه، منذ ثمانية أشهر، فقد عمله، وتراكمت عليه الديون، حتى صار يحسب ثمن رغيف الخبز قبل أن يفكر في شراء صحيفة.وفي ذلك الصباح، حين فتح محفظته فلم يجد فيها إلا أوراقا قديمة وبطاقة مصرفية فقدت معناها، نظر إلى مكتبته طويلا، ثم قال بصوت لم يسمعه أحد:
ـ سامحوني… لم أكتبكم لتصبحوا خبزا، ولكن الجوع لا يقرأ الأدب.
جمع نسخا من مؤلفاته في صندوق، وخرج.دخل المكتبة الأولى، فوجد صاحبها خلف مكتب زجاجي يتصفح هاتفه.
قال بأدب:
ـ مساء الخير. لدي مجموعة من الكتب الأدبية، روايات وقصص، أود بيعها بسعر مناسب.
لم يرفع الرجل رأسه.
ـ لا نشتري كتبا من الأفراد.
ـ لكنها كتب جديدة، وبعضها نال اهتمام النقاد.
ـ قلت لك لا نشتري.
حاول أن يخرج إحدى الروايات من الصندوق، لكن صاحب المكتبة أشار بيده إلى الباب، كأنه يطرد ذبابة أزعجت سكون المكان.
في المكتبة الثانية، سأله الموظف عن اسم دار النشر، ثم اعتذر قبل أن يسمع الإجابة.
وفي الثالثة، قال له رجل بدين يجلس خلف رزم من الكتب المدرسية:
ـ الروايات لا تطعم أصحاب المكتبات يا أستاذ. الناس تريد
ارسال الخبر الى: