باب المندب فاتورة يناير المؤجلة

الاستعداد للحرب أحد أكثر الوسائل فاعلية للحفاظ على السلام”.. جورج واشنطن.
لم يكن الرئيس الأميركي الأول يعرف شيئاً عن جبال اليمن ولا عن جزيرة ميون، لكنه اختصر واحدة من الحقائق التي لا تشيخ في السياسة، وهي أن السلام الذي لا تحرسه القوة يتحول إلى استراحة يستعد خلالها الآخرون للحرب. وهذه هي الحكاية التي ينبغي أن تُروى لفهم السقوط الدراماتيكي لباب المندب، فما حدث لم يبدأ عندما وصل الحوثيون إلى المضيق، وإنما قبل ذلك بأشهر، عندما وقع زلزال حضرموت السياسي والعسكري في يناير 2026، فتصدعت معادلة أمنية ظلت سنوات تضبط أجزاء واسعة من الجنوب العربي والساحل الغربي، وما نشهده اليوم ليس زلزالاً منفصلاً، وإنما ارتداد متأخر وصل إلى البحر الأحمر.
خروج الإمارات من اليمن لم يُخرج الجغرافيا من مكانها، بقيت حضرموت، وبقيت عدن، وبقي باب المندب، وبقي الحوثي يراقب الفراغ ويتربص اللحظة المناسبة. وهذه إحدى أكثر قواعد السياسة قسوة، وهي أنه عندما تنسحب القوة لا تنسحب الأخطار معها. الفراغ في الشرق الأوسط ليس مساحة بيضاء، وإنما دعوة مفتوحة لأكثر اللاعبين تنظيماً كي يتقدم ويضع رايته فوقها. وبين حضرموت في يناير وباب المندب في سبتمبر خط سياسي وعسكري واضح، اختل ميزان القوة، تفككت ترتيبات، اهتزت جبهات، ثم جاءت النتيجة التي كان ينبغي توقعها، وها هم الحوثيون على باب المندب.
كانت عملية “الرمح الذهبي” أكثر من مجرد عملية عسكرية، كانت قراءة للجغرافيا قبل أن تكون تحريكاً للجيوش. الفكرة التي قامت عليها بسيطة وعميقة: عدن لا تُحمى من شوارع عدن وحدها، وأمن الجنوب العربي لا يبدأ عند حدوده الإدارية، وإنما من المساحات التي يمكن أن يتحول اختلالها إلى تهديد مباشر له. باب المندب هو البوابة الغربية لأمن عدن، كما أن البحر الأحمر عمق متصل بالقرن الأفريقي والمحيط الهندي. يمكن الاختلاف سياسياً مع الإمارات، لكن يصعب الاختلاف مع الجغرافيا بعدما أصدرت حكمها بهذه القسوة. ولذلك ستبقى ما قامت به الإمارات في اليمن أكبر من مجرد رواية مجيدة، كان تشكيلاً لوعي سياسي.
اليوم يقف الحوثيون عند
ارسال الخبر الى: