هل انتهى التوريث

40 مشاهدة

لا يمكن النظر إلى النظام الأسدي الذي حكم سورية ما يقارب خمسة عقود أنه كان أمنياً أو نظام حزب شمولي حاكم فقط، فهو، عبر هذه العقود، استطاع أن يتحوّل إلى معمل لإنتاج أنماط من التفكير والسلوك لم ينج منها ولا جيل واحد من السوريين الذين عاصروه أو عاشوا تحت ظله في مرحلتي الأب والابن. حتى لكأن التوريث في سورية لم ينته مع هروب بشار الأسد، بل هو مستمرّ بعد غيابه الكامل عن المشهد السوري؛ فما يبدو من حال السوريين وسلوكهم اليوم يفضح عمق الإرث والأثر الذي تركه هذا النظام لهم، وكأنه كان يدرك أن الوسيلة الوحيدة للبقاء الأبدي في السلطة، حتى لو غاب عنها، هي في تحويل المجتمع كله إلى نسخٍ شديدة الشبه به، هكذا يتحوّل التوريث من الفرد إلى المجتمع كله، ويتحوّل النظام من زائلٍ إلى خالد، والوسيلة لكل هذا تكمن في جعل أفراد المجتمع يؤمنون أن ما يرشح عنهم من سلوكٍ هو أصالة في الشخصية وتمسّك بالعقائد، وليس عادات اكتسبوها من العيش طويلاً ضمن دوائر مغلقة مغلّفة باستبداد نجح في تشكيل مجتمع يشبهه في ردات أفعاله ولغته وعلاقاته إلى درجة التطابق.

تمكّن نظام الأسد في عقود حكمه من تحويل الاستبداد من مصطلح وحالة سياسية إلى بيئة اجتماعية تضع معايير للحياة اليومية للأفراد والجماعات، تبدأ بكيف يتكلم الناس ولا تنتهي عند اختلال ثقتهم بمن حولهم وحتى بأنفسهم، هذه البيئة الاستبدادية حوّلت الصمت إلى عادة مستحبة، بل إلى قيمة أخلاقية تتحوّل، بسهولة، إلى النقيض، حين يطلب صاحب الأمر هذا، وتتحوّل إلى عنف حين يقترب الخطر من السلطة الحامية، وكأن مهمّة المجتمعات التي تعيش في نظم استبدادية هي حماية هذه النظم بكل الطرق والوسائل، وليس العكس، وكأن مهمّة المجتمعات تسهيل توريث الاستبداد وجعله ينتقل بسلاسة من نظام إلى آخر، وكأن مهمّة هذه المجتمعات تحديث إرث الاستبداد بها كلما لاحت بادرة لانتفائه.

اختفى نظام الأسد عن المشهد كما اختفى غيره من الأنظمة المشابهة. ولكن هل تغير شيء في منظومتنا القيمية والأخلاقية؟ بالتأكيد

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح