بين انتقاد الدراما العربية ونقدها
لم تتعرض الدراما التلفزيونية العربية للنقد بمعناه المعرفي العميق، بقدر ما خضعت، طوال عقود، لملاحظات انطباعية أو معلوماتية، تراوحت بين الإشادة بالنجوم والترويج للأعمال وتسريب أخبارها. وهكذا سارت الدراما العربية على هدى الانتقاد لا النقد، بوصفه حكماً عابراً ومؤقتاً، ريثما يأتي زمن النقد المعرفي الحقيقي، لكن المحصلة كانت مخيبة تماماً؛ فلا النقد أتى، ولا الجمهور تمكن من فهم المعنى الأساسي لهذا الفن أو امتلك القدرة على التمييز بين الجيد والرديء.
هنا تكمن المشكلة الكبرى في مسار هذه الدراما البصرية المجانية التي افتقدت إلى أرضية معرفية تساعد المتلقي على التحول من مجرد مستهلك إلى متذوق. ويعود ذلك، أولاً، إلى خلو المناهج التعليمية من تدريس الفنون، ومنها الدراما، وثانياً إلى النظرة الاجتماعية المرتابة من الفن عموماً. وهكذا جلس المتلقي أمام الشاشة الصغيرة مرتاحاً، وربما مصفقاً، من دون أن يشعر بأن عليه مساءلة المادة الفنية المعروضة أمامه أو تكوين موقف منها، كما أن أدواته المعرفية لم تسعفه في التمييز والتقييم، فذهب إلى قبول ما يُقدَّم له، في ظل غياب نقد حقيقي لم يصله أصلاً، إلى درجة أنه لم يعد يشعر بالحاجة إليه.
في هذه الدوامة، فُقد النقد، وعلى وقع هذا الغياب انطلقت سيرورة الدراما التلفزيونية العربية، لتسير في القفار بلا دليل أو مرشد، مهتدية بمواهب صناع الأعمال وحدها، وبما تفرضه الموضة أو التحولات التكنولوجية في تقنيات البث والتصوير. وفي المقابل، كانت الدراما التلفزيونية العالمية تتفاعل مع النقد بوصفه شريكاً في التطور، وتتطلع إلى آفاق أوسع تأثيراً وتسويقاً، بينما غرقت الدراما العربية في نقاشاتها مع نفسها ومع جمهورها، من منتقدين ومشاهدين، وهي نقاشات لم تتجاوز في كثير من الأحيان محاولة تهدئة مخاوف المرتابين من التغيّرات الاجتماعية التي تدعو إليها أي دراما تلفزيونية في العالم.
الدراما التلفزيونية ليست سينما ولا مسرحاً؛ إنها فن وُلد ممتزجاً بالإعلام
فالدراما التلفزيونية، بوصفها فناً حديثاً نشأ في أجواء الحداثة، ارتبطت منذ بداياتها بأسئلة التحوّل الاجتماعي والسلوك البشري، وبالتحديات التي فرضها التطور التكنولوجي العميق على مجتمعات القرن الماضي. لكن الدراما
ارسال الخبر الى: