انتخابات الدنمارك تفرز مشهدا معقدا غياب للأغلبية وتصلب في المواقف
42 مشاهدة
أسفرت نتائج الانتخابات البرلمانية في الدنمارك فجر اليوم الأربعاء عن مشهد سياسي معقد حيث لم تتمكن أي من الكتلتين اليسارية أو اليمينية من تحقيق الأغلبية اللازمة لتشكيل حكومة فقد حصلت كتلة الأحمر بقيادة الحزب الاجتماعي الديمقراطي بزعامة رئيسة حكومة تصريف الأعمال ميتا فريدركسن على نحو 84 مقعدا مقابل 77 مقعدا لكتلة الأزرق من أصل 179 مقعدا في البرلمان وفي قلب هذا التوازن الهش برز حزب المعتدلين بقيادة رئيس الحكومة السابق ووزير الخارجية الحالي لارس لوكا راسموسن كـبيضة القبان بعد حصوله على 14 مقعدا ما يجعله اللاعب الأكثر تأثيرا في تحديد شكل الحكومة المقبلة وجاءت هذه النتائج في ظل مشاركة مرتفعة بلغت نحو 84 من الناخبين أي ما يقارب 3 5 ملايين دنماركي وهو ما يعكس إدراكا واسعا لأهمية هذه الانتخابات لكنه في الوقت نفسه لم يحسم الانقسام السياسي بل رسخه داخل البرلمان الجديد ورغم أن الكتلة الحمراء تقدمت رقميا بتقدم اليسار رغم تراجع يسار الوسط تبقى بعيدة عن عتبة الـ90 مقعدا اللازمة للحكم ما يفرض عليها البحث عن تحالفات معقدة خصوصا مع تخطي الأحزاب الـ12 المرشحة لعتبة الحسم 2 وفي المقابل لم ينجح اليمين في تحويل تقدمه النسبي مدفوعا بصعود حزب الشعب الدنماركي اليميني المتشدد من 5 مقاعد إلى 16 مقعدا إلى أغلبية قادرة على الحكم هذا التوازن أعاد رسم مركز الثقل السياسي في البلاد حيث أصبح الوسط ممثلا بحزب المعتدلين ضرورة لا يمكن تجاوزها وبذلك لم يعد الصراع بين الأحمر والأزرق كافيا لتحديد شكل السلطة بل باتت التحالفات العابرة للكتل شرطا لأي حكومة قابلة للحياة وفي ضوء هذه النتائج لا يبدو أن هناك سوى مسارين رئيسيين لتشكيل الحكومة وكلاهما يتطلب تنازلات سياسية كبيرة الخيار الأول يتمثل في محاولة فريدركسن تشكيل حكومة تميل إلى اليسار بالتحالف مع الأحزاب الاشتراكية وراديكال فينسترا يسار وسط مع دعم برلماني من قوى اليسار الأكثر تشددا كاللائحة الموحدة الذي تحول إلى أكبر أحزاب دائرة كوبنهاغن غير أن هذا السيناريو يواجه عقبة رئيسية تتمثل في رفض حزب المعتدلين الانخراط في حكومة تعتمد على أقصى اليسار nbsp أما الخيار الثاني فيتجه نحو حكومة وسط أو يمين وسط تضم الاجتماعي الديمقراطي مع قوى ليبرالية ومحافظة وهو سيناريو قد يدفع السياسة الدنماركية نحو اليمين لكنه يتطلب من فريدركسن تقديم تنازلات كبيرة تتعارض مع خطابها الانتخابي خصوصا في قضايا الضريبة التصاعدية والرفاهية والهجرة وغيرها من قضايا يدافع عنها اليمين صعود اليمين وتصلب المواقف في موازاة ذلك عزز حزب الشعب الدنماركي اليميني المتشدد موقعه بشكل ملحوظ بعدما قفز من 5 مقاعد في انتخابات 2022 إلى نحو 16 مقعدا ما منحه حضورا أقوى في البرلمان لكنه في الوقت نفسه اتخذ موقفا متشددا برفض التعاون مع الوسط خصوصا مع لارس لوكا راسموسن الذي ارتفعت شعبيته على خلفية أزمة غرينلاند مع الأميركيين هذا التصلب لا يقتصر على اليمين إذ تضع بعض أحزاب اليسار شروطا صارمة لأي تعاون مع قوى يمين الوسط ما يزيد من تعقيد المشهد ويحد من هامش المناورة أمام رئيسة الوزراء ومع هذا التوازن الدقيق تبدأ اليوم الجولة الرسمية الأولى من مشاورات تشكيل الحكومة حيث يتوجه قادة الأحزاب إلى القصر الملكي لتقديم ترشيحاتهم للشخص الذي سيتولى قيادة المفاوضات لكن المؤشرات الأولية لا توحي بحسم سريع ففي انتخابات 2022 استغرق تشكيل الحكومة ستة أسابيع بينما يرجح هذه المرة أن تمتد المفاوضات لأسابيع طويلة إذا لم تحدث مفاجأة في ظل تشتت البرلمان ووجود 12 حزبا ممثلا فيه ما أفرزته الانتخابات لا يقتصر على توزيع المقاعد بل يعكس تحولا أعمق في السياسة الدنماركية حيث تراجع الحزبان التقليديان الاجتماعي الديمقراطي وفينسترا الليبرالي إلى نتائج ضعيفة تاريخيا مقابل صعود قوى أصغر وأكثر تشددا وبذلك تدخل الدنمارك مرحلة سياسية غير مسبوقة منذ سبعينيات القرن الماضي عنوانها التوازن الهش والتحالفات المتغيرة وصعوبة إنتاج أغلبية مستقرة وفي المحصلة لم تحسم الانتخابات هوية الحكومة بقدر ما فتحت الباب أمام مفاوضات معقدة سيكون فيها للوسط الكلمة الفصل وبينما تتجه الأنظار إلى فريدريكسن لوكا راسموسن يبقى السؤال مفتوحا هل تتجه الدنمارك نحو حكومة تميل إلى اليسار أم نحو إعادة تموضع في قلب الوسط