انتباه الحوثيون يراهنون على استنزاف الجنوب بشريا

يمتلك الحوثيون، بحكم سيطرتهم على مناطق مكتظة بالسكان، مخزونا بشريا واسعا لا يترددون في جعله حطبا ووقودا في حربهم و استثماره في التجنيد والتعبئة وإطالة أمد الحرب. وفي المقابل، تواجه القوات الجنوبية، وفي مقدمتها العمالقة ودرع الوطن على جبهة الساحل الغربي وباب المندب، تحديًا مختلفًا: كيف تحافظ على قوتها البشرية المحدودة في مواجهة حرب طويلة ومكلفة؟
هنا تكمن خطورة الاستنزاف؛ فالحروب لا تُحسم دائمًا بمن يحقق أكبر تقدم ميداني، بل قد تُحسم بقدرة كل طرف على تحمّل الخسائر وتعويضها. وإذا صحّ أن الحوثيين يراهنون على إطالة المواجهة واستنزاف القوات الجنوبية، فإن الانجرار إلى حرب مفتوحة بلا أهداف سياسية واضحة قد يخدم هذا الرهان، حتى من دون أن يحقق الحوثيون انتصارات حاسمة على الأرض.
مع ذلك فان امتلاك قاعدة سكانية كبيرة لا يعني القدرة على التفوق العسكري وعلى القدرة مواصلة القتال. بل أن تماسك القيادة، وكفاءة التنظيم، والقدرة على تعويض الخسائر، قد تكون أهم من الأرقام المجردة.
ولذلك، فإن التحدي أمام الجنوبيين لا يقتصر على الصمود في جبهة باب المندب والساحل الغربي، بل يتصل بكيفية إدارة مواردهم البشرية والعسكرية، وتوحيد القرار بين التشكيلات المختلفة، ومنع تحوّل الخلافات وتعدد القيادات إلى نقاط ضعف تستنزف ما هو متاح من قوة.
والأهم أن تُربط الحرب بهدف سياسي واضح، وأن يُحسب ثمن كل مرحلة من مراحلها بميزان المكاسب والخسائر، لا بمنطق الاندفاع وحده. فالتضحيات البشرية ليست أرقامًا عابرة، والمقاتل المدرّب الذي يُفقد لا يمكن تعويضه بمجرد إعلان التعبئة أو فتح معسكر جديد.
إن أخطر ما قد تواجهه القوات الجنوبية هو أن تجد نفسها في حرب طويلة تُستهلك فيها مواردها البشرية من دون أفق سياسي يبرر الكلفة أو يضمن تحويل التضحيات إلى نتيجة مستدامة.
فالرهان الحقيقي ليس على مَن يستطيع مواصلة القتال مدة أطول فحسب، بل على مَن يستطيع حماية مجتمعه، وصون قوته البشرية، وتحقيق أهدافه من دون أن يتحول الاستنزاف إلى غاية بحد ذاته.
ارسال الخبر الى: