انا هنا لكنني لست هنا

26 مشاهدة
اخبار اليمن الان الحدث اليوم عاجل

يمنات

عدنان الدوسري*

كانت الساعة تقترب من الثالثة فجرا، حين شعرت ان المدينة كلها نامت وتركتني وحدي مستيقظا.كان الخريف قد بسط يده على الشوارع. اوراق صفراء تتساقط ببطء من الاشجار، تدور مع الريح ثم تستقرعلى الارصفة، كأنها رسائل صغيرة فقدت عناوينها.جلست على حافة السرير، احدق في النافذة.لم تكن تطل على شيء.جدار اسمنتي رمادي، قريب الى الحد الذي يجعلني اشعر انني اسكن داخل صندوق مغلق.وفي الزاوية العليا منه، كان هناك عش حمامة مهجور.

بعض العيدان اليابسة متشابكة فوق بعضها، وبقايا ريش عالق بينها.كنت انظر اليه كثيرا.ربما لانني كنت اشبهه.

كان هنا شيء ذات يوم.ثم رحل.وبقي العش.وبقيت انا.

في تلك الغرفة الضيقة، كنت اشعر احيانا ان الجدران تضيق كلما تنفست.وضعت يدي على صدري.لم يكن يؤلمني شيء.لكنني كنت اشعر بثقل لا اعرف له اسما.

فتحت هاتفي.كان اسم امي ما يزال في اعلى قائمة المكالمات.نظرت اليه طويلا.لم اتصل.كنت اخاف صوتها.

ليس لانني لا اشتاق اليها.بل لانني اشتاق اليها اكثر مما ينبغي.كنت اخاف ان تقول لي:

ـ متى تعود يا ولدي؟

ولم اكن املك جوابا.ماذا كنت سأقول لها؟انني منذ سنوات امشي ولا اصل؟انني كلما ظننت انني اقتربت من العودة، اكتشفت ان المسافة بيني وبين البيت صارت اطول؟انني اعيش في مدينة لا تكرهني، لكنها لا تعرفني ايضا؟ انني صرت غريبا حتى عن اسمي؟ ام اقول لها الحقيقة؟ انني لا استطيع العودة. ان الطريق الى البيت لم يعد طريقا بالنسبة لي، بل صار فخا. ان تهديدات القتل التي وصلتني لم تكن كلاما عابرا. ان هناك مليشيات تعرف اسمي، وتعرف من اكون، وتنتظر عودتي كما ينتظر الصياد فريسته. لا. لن اقول لها. كانت امي كبيرة في السن.وكان يكفيني ان اكون بعيدا عنها، ولا اريد ان اجعل الخوف يسكن قلبها ايضا.لذلك كنت اكذب عليها.كلما سألتني:

ـ متى تعود؟

اقول:

ـ قريبا.

وكلمة “قريبا” كانت اكثر كلمة اكرهها في حياتي.لانني لم اكن اعرف متى يكون القريب.وضعت الهاتف جانبا.

ثم اخرجت دفترا قديما من درج الطاولة.فتحته.كانت الصفحات الاولى تحمل بقايا قائمة

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع يمنات لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح