انا الذي تركته خلفي

يمنات
عدنان الدوسري
كان الصباح يتسلل عبر الواجهات الزجاجية لمطار الكويت الدولي، فيما كنت أجر حقيبتي البيضاء نحو بوابة المغادرين، وأحمل جواز سفري العراقي كمن يحمل وطنا اختصرته الأوراق، بعدما عجزت السنوات عن إعادته إلى مكانه الأول.توقفت تحت لوحة المغادرين. تأملت الكلمة طويلا، وقلت في سري:
ما أكثر الذين يغادرون، وما أقل الذين يصلون إلى ما يبحثون عنه.
لم تكن تلك رحلتي الأولى. فقد عبرت مدنا كثيرة، وتركت في كل مدينة شيئا مني. في بغداد تركت طفولتي، وفي موسكو بعض شبابي، وفي دمشق ضحكات لم تعد تتكرر، وفي بيروت قلبا تعلم الخيبة، أما الكويت، فقد أخذت من عمري ما يكفي لأشعر أنني أنتمي إليها، دون أن أتحرر من غربتي.كان المسافرون من حولي يتعانقون، يضحكون، يتبادلون الوصايا. وحدي كنت أفتش في الوجوه عن أحد يلوح لي، مع أنني أعرف أن أحدا لم يأت.
اقترب مني موظف شاب وسأل:
ـ مسافر وحدك يا أستاذ؟
ابتسمت وقلت:
ـ منذ زمن يا ولدي.
لم يفهم إجابتي، ومضى.
أخرجت جوازي أتفقد بطاقة الصعود، فسقطت من بين صفحاته صورة قديمة لأمي. انحنيت ألتقطها، فإذا ببغداد تنهض من ذاكرتي دفعة واحدة؛ رائحة الخبز، وشاي الصباح، وأزقة الأعظمية، وصوتها وهي تقف عند الباب:
– لا تطول الغيبة يمه.
كم أطلتها يا أمي!
حتى شاخت الطرق التي وعدتك أن أعود عبرها،وتغيرت ملامح البيوت، ورحل الذين كانوا ينتظرون، ولم يبق من الوطن سوى ذاكرة تزدحم بأناس لا يمكن زيارتهم.أعدت الصورة إلى الجواز، وتقدمت نحو موظف المغادرة.
سألني وهو يتفحص أوراقي:
– الوجهة النهائية؟
ذكرت اسم المدينة.
رفع عينيه وقال:
– وهل ستعود إلى الكويت؟
ترددت لحظة، ثم أجبته:
– لا أعرف. لقد اعتدت المغادرة، لكنني لم أتعلم العودة.
أعاد إلي جوازي، وختم أوراقي، وانتهى الأمر بالنسبة إليه. أما أنا، فشعرت أن الختم وقع على شيء أعمق من الورق.في صالة الانتظار، جلست قرب النافذة أراقب الطائرات. رن هاتفي برسالة من صديق قديم:
(توصل بالسلامة).
كتبت له :
ـ الله يسلمك
وانتظرت
ارسال الخبر الى: