في امتداح الفرح
في القصّة الماضية كنتُ اقترحتُ على ابنتي صوفي قراءة جديدة لقصة الأرنب والسلحفاة المعروفة التي أخذها الشاعر الفرنسي جان دو لافونتين من الكاتب الإغريقي إيسوب، مُنتصراً للأرنب على حساب السلحفاة، وللسرعة على البطء. وكنتُ قد اقترحتُ عليها تقديم قراءة مختلفة جديدة لقصة لافونتين الأخرى النملة والصرصور. وفي الحقيقة لا أُحبّ شخصياً قصة لافونتين عن النملة والصرصور، وأُفضِّل عليها كثيراً قراءتها المعكوسة على يد الروائية فرانسواز ساغان.
يُصوِّر لنا لافونتين الصرصور مُتسوّلاً ذليلاً في أيّام الشتاء الباردة، حيث لم يبقَ لديه ما يأكله بعدما أمضى صيفه في اللهو والغناء والمرح، فيلجأ إلى جارته النملة التي أمضت الصيف كلّه في العمل لتؤمّن مؤونة الشتاء. لكن نملة لافونتين هي نملةٌ بخيلة قاسية القلب la Fourmi nest pas prêteuse لا تأبه لتوسّلات جارها الصرصور وتقول له بكلّ سخريةٍ باردة: إذا غنَّيْتَ كلَّ الصيف ولم تؤمِّن مؤونة الشتاء، فإنّه لم يبقَ أمامك الآن سوى أن ترقص.
ما من شك أنّ القيمة التي يحاول لافونتين إبرازها هنا هي قيمة العمل على حساب حياة المتعة واللهو وإضاعة الوقت.
في المقابل تُظهر ساغان في قراءتها لهذه الحكاية، نملةً جشعةً عملت كلّ الصيف وملأت مخازنها، وها قد انقضى الشتاء وعاد الصيف من جديد، وما زالت مخازنها تفيض بالحبوب، فتلجأ عندها إلى جارها الصرصور ليشتري منها محصولها وله أن يُسدِّد الأجر متى شاء! ولكن الصرصور غير الجشع يسخر منها قائلاً: بما أنّك عملتِ كلّ الصيف فلم يبقَ لكِ الآن سوى أن تُصفّي بضاعتك. إنّ ما تحاول ساغان إبرازه هنا هو مثال الطمع والشجع، وذلك بانتقامها من نملة لافونتين، وتحويل قيمة العمل عندها إلى قيمة سلبية هي الاكتناز. وبمعنى آخر، لقد قامت فرانسواز ساغان بقلب القيمة الخاصة بالنملة فقط من دون أن تعير انتباهاً إلى الصرصور وقيمه النبيلة. هكذا وعلى الرغم من القراءة والقراءة المعكوسة إلا أنّ أخلاق النملة تظلُّ هي محور الحكايتين. ولكن ماذا عن الصرصور؟ كان الأجدر بساغان أن تُركِّز على أخلاق السادة التي لدى الصرصور، فهو يعيش سيّداً
ارسال الخبر الى: