اليمن حين تصبح السلطة أكبر من الدولة

يمنات
د. عارف عبد الرزاق دحوان
من صراع امتلاك الحكم إلى أزمة معنى الدولة
ثمة مفارقة تستحق التأمل في التاريخ السياسي للأمم: قد تتصارع القوى من أجل الوصول إلى الدولة، ثم تصبح الدولة نفسها أضعف كلما اشتد صراعها على السلطة.
وقد تتعدد الحكومات والهيئات والمجالس والأجهزة، بينما يتراجع الشيء الذي يفترض أن تمنحه جميعًا للمجتمع: القانون الواحد، والحق المتساوي، والمستقبل المشترك.
في اليمن، تفرض هذه المفارقة سؤالًا يتجاوز أسماء القوى المتصارعة وتوازناتها: هل ما زال الصراع يدور حول كيفية إدارة الدولة، أم أن مفهوم الدولة نفسه أصبح جزءًا من الغنيمة التي يتنافس المتصارعون على اقتسامها؟
ليس المقصود هنا أن كل صراع على السلطة يؤدي بالضرورة إلى إضعاف الدولة؛ فالتنافس السياسي السلمي، وتداول الحكم، ومحاسبة المسؤولين، كلها مظاهر طبيعية في الأنظمة السياسية. إنما تبدأ الأزمة عندما تتحول السلطة من وسيلة لإدارة الشأن العام إلى غاية تبرر إعادة تشكيل المؤسسات وفق مقتضيات البقاء في الحكم، وعندما يصبح السؤال الأهم لدى القوى المتنافسة ليس: كيف نُحسن إدارة الدولة؟ بل: كيف نضمن ألا تخرج الدولة من أيدينا؟
عند هذه النقطة، يبدأ الفرق بين الدولة والسلطة في التلاشي، وتصبح المؤسسات، بدل أن تكون مرجعًا للجميع، امتدادًا للصراع بين أطرافه.
أولًا: الدولة ليست الشخص الذي يحكمها
من الأخطاء التي رافقت تطور الحياة السياسية في كثير من البلدان العربية اختزال الدولة في الحاكم، أو اختزال النظام السياسي في الحزب أو الجماعة التي تتولى إدارته. فالدولة، في معناها المؤسسي، أوسع من الأشخاص الذين يشغلون مناصبها، وأبقى من التحالفات التي تمنحهم القدرة على الحكم.
الحاكم يتغير، والحكومة تتبدل، والأحزاب تصعد وتهبط؛ لكن الدولة ينبغي أن تستمر، وأن تظل حقوق المواطنين قائمة بصرف النظر عن هوية من يحكمهم.
وعندما لا يتحقق هذا الفصل، تصبح كل معركة على السلطة معركة على المؤسسات ذاتها. فالتغيير السياسي لا يُنظر إليه باعتباره انتقالًا في إدارة الشأن العام، بل باعتباره تهديدًا لمصالح الجماعة التي وصلت إلى الحكم. ويغدو الحفاظ على النفوذ أولوية تتقدم على كفاءة
ارسال الخبر الى: