اليمن السعيد في خنجره التليد

زارني اليمن مبكراً منذ الطفولة، وأنا في سنوات المرحلة الابتدائية في منتصف خمسينات القرن الماضي. بعد نيل ليبيا لاستقلالها سنة 1952، بادرت حكومة ولاية فزان بفتح المدارس في كل المناطق. جاء المدرسون من ولاية طرابلس الغرب، حيث يحصلون على رواتب مضاعفة، عند انتقالهم للتعليم بمدارس ولاية فزان. كان أغلب التلاميذ قد حفظوا ما تيسر من القرآن الكريم في المحضرة (الكُتَّاب). بُنيت مدرسة ابتدائية كبيرة بقريتنا، بها غرف لإقامة المدرسين، ووفرت الحكومة غذاء يومياً كاملاً للتلاميذ.
قامت بعثة «اليونيسكو» بليبيا بتأجير غرفة صغيرة من أحد المواطنين، حولتها إلى مكتبة صغيرة، وضعت بها خمسين كتاباً تقريباً. كان المدرسون الشباب القادمون من ولاية طرابلس يتقدون حماسة وطنية تفوق الوصف. مدرس لن أنساه ما حييت، من مدينة طرابلس، اسمه حسين سالم امقيطيف. كان يواظب، عشية كل يوم، على مرافقتنا إلى المكتبة الصغيرة المجاورة للمدرسة، ويحرص على معرفة ما يختاره كل تلميذ من الكتب، ويناقشه في دافعه لاختيار هذا الكتاب أو ذاك.
اخترتُ كتاب «كنتُ طبيبة في اليمن»، وهو مذكرات الدكتورة الطبيبة الفرنسية كلودي فايان. التي عملت باليمن سنة 1951. قرأت الكتاب بشغف لا حدود له، وكان الأستاذ حسين سالم يناقش كل تلميذ في ما قرأه في اليوم السابق، ويساعده على فهم محتوى الكتاب. طلب مني أن أعرض لزملائي ما قرأت. كتبت الطبيبة الفرنسية في مذكراتها عن اليمن، وصفاً تفصيلياً عن الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والدينية في اليمن الإمامي. ساعدني المدرس على شرح ما أعرضه.
رغم حداثة قيام الدولة في بلادنا، وانتشار الفقر وضعف الخدمات بل غيابها الكامل في بعض المجالات، فقد فوجئ الجميع بغرابة ما جاء في كتاب الطبيبة الفرنسية. باختصار، انغلاق كامل في تلك البلاد العربية البعيدة عنا. نحن عندنا عيادة بها ممرض من المنطقة تعلم اللغة الإيطالية، وبالتالي يجيد قراءة الأدوية التي تأتي من إيطاليا، وطبيب فرنسي يزورنا كل شهر ويقوم بفحص التلاميذ، ويأتي المفتشون من مدينة سبها عاصمة ولاية فزان، لمتابعة العملية التعليمية. النساء يعملن في المزارع، ويتحركن في
ارسال الخبر الى: