الولاية إنما وليكم الله الحلقة الأولى

من أعظم المآسي الفكرية التي ابتُلي بها الإنسان أنه قد يعرف الله خالقًا، ولا يعرفه وليًّا.
يعرف أن الله خلق السماوات والأرض، وأنزل المطر، وأجرى الأنهار، وبسط الأرض، وأحيا وأمات، لكنه لا يدرك أن الذي خلق هو أولى بالطاعة، وأحق بالتسليم وَالاتباع، وأجدر بالحب، وأوجب بالولاء، وهنا تبدأ المشكلة.
فالقرآن الكريم لا يقدم الله للبشر على أنه مُجَـرّد خالق عظيم يدير الكون من بعيد فقط، بل يقدمه بوصفه الولي المطلق الذي لا تنفصل عنه الحياة في أي شأن من شؤونها يقول الله تعالى {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱستَوَى عَلَى ٱلعَرشِ يَعلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرضِ وَمَا يَخرُجُ مِنهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُم أَينَ مَا كُنتُم وَٱللَّهُ بِمَا تَعمَلُونَ بَصِير}(الحديد:٤)، والذي لا تستقيم إنسانية الإنسان إلا بالانضواء تحت ولايته.
وحين يقول الله سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ}، فإنها ليست جملة خبرية فحسب، بل إعلان إلهي يهز وجدان المؤمن، ويختبر إيمانه ويعيد ترتيب علاقته بكل شيء من حوله.
إنها تعني أن الله هو الأقرب إليك من كُـلّ قريب قال الله تعالى {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعوَةَ ٱلدَّاعِ إذَا دَعَانِ فَليَستَجِيبُواْ لِي وَليُؤمِنُواْ بِي لَعَلَّهُم يَرشُدُونَ}(البقرة:١٨٦)، والأحق بك من نفسك، والأولى بك من هواك، والأعلم بمصلحتك منك، والأرحم بك من والديك.
لماذا الله هو الولي؟
لأن الولاية ليست امتيَازا يُمنح، بل حق يثبت لصاحبه، ومن الذي يملك حق الولاية أكثر ممن خلق؟ من الذي يستحق أن يُطاع أكثر ممن أوجدك من العدم؟ من الذي يستحق أن يُتبع أكثر ممن يعلم السر وأخفى؟ من الذي يستحق أن يُسلَّم له الأمر أكثر ممن بيده ملكوت كُـلّ شيء؟ لا أحد، ولكي نفهم أبعاد هذا الحق الإلهي، لا بد أن ندرك أن (الولاية) في لغة العرب تدور حول معاني القرب والتسليم والنصرة والمحبة والتولية.
فحين يتولى اللهُ عبدَه، فإنه يقتربُ منه برحمته، ويحيطه برعايته، وينصره على مخاوفه ونفسه.
وهي ولاية ذات اتّجاهين
ارسال الخبر الى: