حين يصبح الوطن حقيبة والبحر مقبرة كتب اسامة الاصبحي

ليس أقسى على الإنسان من أن يتحول وطنه إلى مكان يخاف العودة إليه، ولا أشد وجعا من أن يحمل عمره كله في حقيبة صغيرة، ويغادر بيته وهو يعلم أنه قد لا يراه مرة أخرى.
اللجوء ليس رحلة سياحية، والهجرة غير الشرعية ليست مغامرة يبحث أصحابها عن الإثارة، إنها في كثير من الأحيان صرخة إنسانية أخيرة يطلقها إنسان ضاقت به الأرض بما رحبت، فاختار البحر رغم يقينه أن الأمواج قد تكون آخر ما يراه في حياته.
وراء كل قاربٍ متهالك قصة أمٍ باعت حليّها لتُنقذ أبناءها من الحرب، وأبٍ غادر وطنه مكرهًا بعدما عجز عن توفير لقمة العيش، وطالب حُرم من التعليم، وطبيب أُجبر على ترك مستشفاه، ومحامٍ لم يعد يجد عدالة تحميه، وصحفي أصبح قلمه تهمة تستوجب الملاحقة.
إن القانون الدولي لم يعترف باللجوء باعتباره منحة تمنحها الدول متى شاءت، بل قرره حقا إنسانيا أصيلا لكل من يتعرض للاضطهاد بسبب عرقه أو دينه أو قوميته أو آرائه السياسية أو انتمائه إلى فئة اجتماعية معينة.
ولهذا جاءت اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، والبروتوكول الملحق بها لعام 1967، لتؤكد أن حماية الإنسان مقدمة على الحسابات السياسية، وأن مبدأ عدم الإعادة القسرية أصبح من المبادئ الراسخة في القانون الدولي.
لكن، وعلى الرغم من هذا البناء القانوني المتين، ما زالت آلاف الأرواح تغرق كل عام في البحار والأنهار والحدود، وما زالت المخيمات تمتلئ بأطفال لم يعرفوا من الطفولة سوى الخيام، وأسلاك الحدود، وصفوف انتظار المساعدات.
أما الهجرة غير الشرعية، فهي ليست جريمة يولد بها الإنسان، بل غالبا ما تكون نتيجة مباشرة لفشل السياسات الاقتصادية، واستمرار النزاعات المسلحة، وانهيار مؤسسات الدولة، وغياب العدالة الاجتماعية، واتساع رقعة الفقر والبطالة والفساد. وعندما تُغلق الأبواب القانونية أمام الإنسان، فإنه يبحث عن نافذة، ولو كانت تؤدي إلى المجهول.
إن تجريم المهاجر وحده دون معالجة الأسباب التي دفعته إلى الهجرة هو ظلم مضاعف، لأن الضحية تتحول إلى متهم، بينما يبقى المتسبب الحقيقي في المأساة بمنأى عن المساءلة.
وفي المقابل،
ارسال الخبر الى: