دفن الوديعة قرار فرضته الحرب على أهالي جنوب لبنان

291 مشاهدة
خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان وقبل سريان اتفاق وقف إطلاق النار فجر الأربعاء الماضي عانى اللبنانيون صعوبات عدة في إقامة مراسم دفن ذويهم فالكثير من قرى الجنوب دمرت بالكامل كما طاول التدمير مدافنها أيضا وكانت عشرات البلدات الجنوبية تظهر بشكل شبه يومي في الخرائط التي ينشرها الجيش الإسرائيلي ويحذر فيها من التوجه نحو تلك البلدات ولمراسم الدفن في بلدات لبنان الجنوبية رمزية كبيرة خاصة لدى السكان المسلمين لذا عاش الأهالي فترات قاسية بعد وفاة أفراد من عائلاتهم في حين لجأ البعض إلى حلول استثنائية من بينها دفن الوديعة لأجل غير محدد يروي اللبناني أحمد بيضون لـالعربي الجديد تفاصيل مراسم دفن شقيقه الاستثنائية في زمن الحرب قائلا حرمت عائلتي من حضور مراسم دفن شقيقي الأصغر إذ كان القصف الإسرائيلي مكثفا على القرى الجنوبية ما أجبرنا على دفنه وديعة في أرض فارغة بمنطقة صور لم نتمكن من دفنه في بلدتنا كفرا بسبب الغارات الإسرائيلية العنيفة ولأن إكرام الميت دفنه وافقنا على طريقة الدفن الاستثنائية بعد سجال عائلي طويل يضيف بيضون غادرنا القرية قبل أسابيع حين كثف الجيش الإسرائيلي الغارات على الجنوب وتوزعت العائلة على مناطق مختلفة إذ انتقلت زوجة شقيقي إلى شرقي مدينة بيروت ونزح شقيقي إلى مدينة طرابلس شمال وشقيقتي أيضا تعيش في بيروت كان ممنوعا حضور أفراد العائلة مراسم الدفن في مدينة صور حفاظا على سلامتهم وحضرت المراسم وحدي وكانت تلك من أصعب وأقسى اللحظات التي عشتها في حياتي إذ لم أتخيل يوما أنني سأدفن شقيقي وحدي يتابع في البداية لم يوافق أحد من العائلة على دفنه وديعة لكننا لم نكن نملك الكثير من الوقت وكان علينا اتخاذ القرار سريعا وبعد تشاور قبلنا بذلك لم نقم بأي مراسم لتقبل التعازي كما اعتاد أهل قريتنا فمن تقاليد العزاء في القرية أن يوزع الطعام عن روح الميت وأن تفتح أبواب المنزل لاستقبال الناس وكل هذا لم يحصل ولم نعلم إن كان منزلنا لا يزال سليما أم جرى تدميره كما أن توزع أفراد العائلة كان في مناطق مختلفة وقد اتفقنا هاتفيا على تقاسم قراءة أجزاء القرآن الكريم فقط ويوضح أنه مع انتهاء الحرب سنعيد نقل جثة شقيقي إلى مدفن البلدة وحينها سنقيم مراسم العزاء لم أودع شقيقي كما يجب لذا سأنتظر نقله إلى البلدة لأودعه للمرة الأخيرة دفن الوديعة كان حلا مؤقتا والأكيد أن الألم يتجدد مع نقل الجثة لدفنها في القرية كان دفن الوديعة مصطلحا جديدا على كثير من اللبنانيين انتقلت ريان نصر الله مع عائلة زوجها من بلدة حولا في قضاء مرجعيون بمحافظة النبطية إلى المعيصرة في قضاء كسروان لم تكن تعلم أنها ستكون الناجية الوحيدة من العائلة إذ أغار الطيران الإسرائيلي على المبنى الذي نزحت إليه وخسرت خمسة من أفراد العائلة تقول لم نكن نملك معلومات وافية حول دفن الوديعة وكان مصطلحا جديدا علينا وقمت بالاستفسار عنه من رجال الدين إذ لم يسبق لأحد من عائلتي أو معارفي أن قام بذلك تتابع نصر الله عادة يدفن الميت في بلدته وكانت هناك صعوبات كبيرة في الوصول إلى بلدتنا التي دمرت بشكل شبه كامل وبالتالي هناك مخاطر لإقامة مراسم الدفن هناك لذا أجبرت على دفنهم في قرية المعيصرة الوجع كبير فقد خسرت العائلة خلال ثوان ولم أتمكن من دفنهم في بلدتهم كان بالقرب منا عدد من العائلات النازحة من قريتنا وقد شاركوني في التشييع كانت لحظات مؤلمة فالحرب منعتنا من التعبير عن حزننا والمؤكد أنني سأنقلهم إلى حولا كي ترتاح أرواحهم فالإنسان يحب أن يدفن في الأرض التي ولد بها وهذا ما اعتدنا عليه بدوره نزح محمد ملك من بلدة رميش إلى بيروت رفقة عائلته وبعد أيام علم أن منزله الذي لا يملك غيره سوي بالأرض كما نزحت عائلة شقيقته إلى بلدة زغرتا شمال لكن ما لبث زوجها أن توفي بسبب عارض صحي مفاجئ فأجبرت العائلة على دفنه وديعة في أحد مدافن زغرتا يقول ملك لـالعربي الجديد في بادئ الأمر لم تتقبل شقيقتي القرار إذ كانت تريد دفن زوجها في بلدته رميش لكنها تقبلت الأمر بعد أن تأكدت أن رحلة الوصول بالجثمان إلى البلدة ستكون مليئة بالمخاطر على العائلة لم نقم بأي مراسم للدفن بل قدمنا المعلومات المطلوبة للبلدية وحصلنا على رقم خاص بالعائلة ومع انتهاء الحرب ستعطى الجثة لنا بناء على الرقم الرسمي المسجل لدى البلدية وحينها ستقوم شقيقتي بمراسم الدفن المعتادة لتوديع زوجها واتخذت الكثير من التدابير الاستثنائية في جنوب لبنان خلال الفترة التي سبقت العدوان ففي السابق كان ابن البلدة يدفن في مدافنها بعد التنسيق مع الجيش اللبناني وقوات يونيفيل ثم تقام مراسم دفنه وتشييعه بعد الحصول على ضمانة بعدم إطلاق الجيش الإسرائيلي النار على المشاركين في موكب التشييع لكن مع توسع الحرب شملت الغارات جميع البلدات ولم يعد الأهالي يملكون القدرة على إقامة هذه المراسم أو حضور الدفن وبناء على هذه الظروف سمح المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بالتنسيق مع الحكومة اللبنانية بدفن الوديعة في الأراضي الخالية التي خصصت لهذا الغرض بمنطقة صور على أن تسلم الجثامين للعائلات بعد انتهاء الحرب لدفنهم في بلداتهم يوضح مندوب المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ ربيع قبيسي وهو يعمل في دار الإفتاء الجعفري في صور لـالعربي الجديد أن أكثر من 145 شخصا من أهالي جنوب لبنان دفنوا ودائع في هذه الأرض وهم الذين لم تتمكن عائلاتهم من دفنهم في بلداتهم الحدودية بسبب القصف الإسرائيلي ويؤكد هذه تدابير استثنائية في زمن الحرب ودفن الوديعة يعتمد في ظروف كهذه إذ نقوم بوضع الجثة داخل صندوق خشبي ويمنع إعادة فتحه ويدفن ومن ثم يسجل رقم هذا الصندوق مع جميع معلومات الميت وكل التفاصيل عن عائلته ومن ثم يسلم لعائلته لدفنه مجددا بعد انتهاء الحرب ولصعوبة هذه التدابير لم تتمكن العديد من عائلات الضحايا من حضور مراسم الدفن يقول الشيخ قبيسي قبل أسابيع دفنت أحد الأشخاص وحدي ولم تتمكن عائلته من الحضور وقد تسلمت جثة الضحية من المشفى وأقمت جميع المراسم منفردا هذه إحدى مآسي الحرب من جهته يصف الشاب علي أحمد شور قرار عائلته بدفن والده وديعة في الأرض التي حددت للدفن المؤقت في مدينة صور بأنه قرار موجع جدا استشهد والد علي في قرية جناتا حين أغارت طائرة إسرائيلية على القرية فدمرت المنزل ولم تتمكن العائلة من حضور مراسم الدفن بسبب صعوبة الوصول إلى القرية يقول شور لـالعربي الجديد نزحت العائلة إلى بيروت لكن والدي أصر على البقاء في المنزل رافضا المغادرة وحين بلغنا خبر استشهاده لم نتمكن من حضور الدفن ولا إقامة مراسم العزاء وقررت العائلة دفنه وديعة في مدينة صور والدتي لم تتقبل هذا القرار بعد وتعتقد أننا سنزعج والدي مرتين في المرة الأولى حين دفنت جثته وديعة وفي المرة الثانية حين ننقله من صور إلى جناتا ليدفن في مقبرة القرية ومع بدء سريان وقف اطلاق النار سنشيع الوالد ونقيم مراسم العزاء له استشهد جوزيف البداوي بغارة إسرائيلية على مركز الدفاع المدني في دردغيا حيث يعمل ولم يكن أمام عائلته خيار سوى دفنه وديعة في مدينة صور يقول شقيقه روني لـالعربي الجديد وضعنا شقيقي وديعة في مطرانية صور في مدفن خاص بعائلة أحد أقاربنا كان صعبا دفن شقيقي في مدفن العائلة في بلدتنا دردغيا بسبب الغارات الإسرائيلية العنيفة كما أن العائلة متوزعة بين مناطق بيروت لذا عجزنا عن إقامة مراسم الدفن اللازمة له دفن شقيقي وديعة لحين وسيبقى هذا جرحا مفتوحا إلى حين نقل جثته إلى مدفن عائلتي الخاص وحينها سنتأكد أن روحه سترقد بسلام

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح