الوحوش التي تصنعها الحروب
بعض الكتب نؤجلها طويلًا دون سبب واضح. تبقى على رفٍّ دون قراءة، نمر عليها كل مرة ونقول: لاحقًا. هكذا كانت علاقتي مع رواية الوحوش لأيمن العتوم. ظلت مؤجلة لأشهر، ربما بدافع الانشغال أو الكسل، إلى أن قررت أخيرًا قراءتها في رمضان. لم أكن أعلم حينها أن هذه المصادفة الصغيرة ستجعل الرواية تبدو وكأنها تُقرأ في اللحظة المناسبة تمامًا، في زمن تتكاثر فيه الحروب وتتكرر فيه الأسئلة نفسها التي تطرحها الرواية.
تعود الوحوش إلى حرب البوسنة في تسعينيات القرن الماضي، لكنها في جوهرها ليست مجرد رواية عن حرب أوروبية بعيدة. إنها رواية عن الإنسان حين يدخل عالم الحرب: كيف يمكن للعنف أن يصبح أمرًا عاديًا؟ وكيف يستطيع البشر أن يقنعوا أنفسهم بأن العدوان على بلد كامل السيادة أمرٌ مبرَّر، أو أن قتل المدنيين يمكن أن يتحول إلى ضرورة سياسية أو عسكرية؟
لكن أكثر ما هزني في الرواية كان أحد المشاهد القاسية التي يصف فيها الكاتب جريمة حرب مروعة: جنود يغتصبون امرأة أمام أطفالها، ثم يقتلونها بدم بارد. لا يكتب العتوم هذا المشهد لمجرد الصدمة، بل ليكشف الحد الذي يمكن أن تصل إليه الوحشية حين تنهار كل القيم. في تلك اللحظة، لا يكون العنف مجرد نتيجة للحرب، بل يصبح جزءًا من منطقها القاسي.
في مشهد آخرَ قاسٍ أيضًا يبدأ باعتراف موجع، يقول حارث، بطل الرواية، بعد فراقه أخته بسبب الحرب: لقد استعدت بيتي، ولكن استعادة أختي كانت شيئًا آخر. الأخ هنا يصف الفجيعة؛ فالأخت عادت جسدًا، لكن الروح التي يعرفها غادرت. هذا اللقاء الذي كان من المفترض أن يكون لحظة فرح تحوَّل إلى مأتم صامت. الأخ يرى في عيني أخته الوحش الذي مر من هناك، ويرى في ابنها فيليب (الناتج عن الاغتصاب) تذكيرًا حيًّا بوحشية الحرب التي لا تكتفي بالقتل، بل تزرع ثمارها المسمومة في أجساد الضحايا.
هذا المشهد تحديدًا يذكِّر القارئ بأن الحروب لا تُقاس فقط بعدد القتلى أو المدن المدمرة، بل أيضًا بالندوب النفسية التي تتركها في حياة البشر. فالإنسان
ارسال الخبر الى: