عن الوجه الخفي الآخر للموت في غزة
يقول الشاعر العباسي ابن نباتة السعدي:
ومن لم يمت بالسيف مات بغيره
تعدّدت الأسباب والموت واحد.
ولكن للموت في غزة خصوصيته. كأن لا نموت من القصف والنار، وإنما من النزوح والجوع والخوف الذي يجلب المرض. كأن نموت من هذا الهواء الذي يعجّ برائحة البارود بعد كل غارة؛ ذلك الموت الناعم البطيء.
وربما أصعب ما في هذا الموت أنه لا يأتي دفعة واحدة، بل يتسلل إلى تفاصيلنا الصغيرة؛ إلى أجساد أنهكها الانتظار، وإلى أرواح فقدت قدرتها على الدهشة، وإلى قلوب باتت تخاف من الأخبار أكثر مما تخاف من القصف نفسه.
في غزة، كل القصص تدخل في نطاق العجائب. كثيراً ما أفكر: لو أن أحداً أراد أن يكتب عن عالم العجائب، فعليه أن يكتب من قلب غزة المحاصرة.
يحدث أن نلبي دعوة زفاف لفتاة، وبعد أشهر قليلة فقط نستيقظ على خبر تأبين هذه العروس لزوجها. لكن هذه الفتاة لم تكن مجرد اسم عابر في خبر. كنت أعرفها.
في بداية الحرب، التقيتها للمرة الأولى في مكتب والدتي في أونروا. كانت والدتها زميلة لوالدتي، وخلال الأيام الأولى من الحرب، حين كنا نحاول استغلال أي لحظة تتوفر فيها الكهرباء والإنترنت لإنجاز دراستنا وأعمالنا، كنا نجلس هناك وكأننا نتمسك بأي نافذة صغيرة تُبقينا على صلة بالحياة. كانت تأتي برفقة والدتها.
أتذكرها جيداً. فتاة جميلة، هادئة، تحمل ذلك الوهج الذي يميز من يقفون على عتبة بداية جديدة. كانت قد أنهت الثانوية العامة للتو، وكأي فتاة لديها أحلامها: كأن تسافر، وتكمل تعليمها خارج البلاد، وأن ترى عالماً أوسع من حدود القطاع المحاصر.
ثم نزحنا من دير البلح إلى الزوايدة، ومضت الأيام الثقيلة.
ذات يوم، وصلتنا دعوة من والدتها لحضور زفاف ابنتها. للحظة جعلت أتساءل: ما الذي يجعل فتاة في مثل عمرها، تحمل كل هذه الأحلام، تختار الزواج في هذا الوقت تحديداً؟ كيف يمكن لإنسان أن يفكر في بناء حياة جديدة بينما كل شيء من حوله ينهار؟
الحرب لا تقتل من يقع تحت القصف فحسب، بل تقتل أيضاً أولئك
ارسال الخبر الى: