الهيمنة اللغوية كيف تصوغ القوة ملامح الكلام

63 مشاهدة
لم تكن الهيمنة في أي حقبة من حقب التاريخ مجرد تفوق عسكري أو اقتصادي بل كانت دوما سلطة مركبة تتجاوز السلاح والمال إلى ميادين الرموز والمعاني واللغة بما تحمله من ذاكرة جماعية وأدوات تفكير كانت ولا تزال القلب الخفي لهذه السلطة فمن يقرأ التاريخ العربي يلحظ أن التنافس على السيادة لم يكن سياسيا أو تجاريا فحسب بل كان لغويا كذلك فمع بدايات الإسلام سادت العربية الشمالية على اللهجات الجنوبية إذ اختار الوحي لهجة قريش ونزل بها القرآن الكريم فارتقت إلى معيار موحد وأصبحت هي المركز وأقصت سائر اللهجات إلى الهوامش تقريبا ولم يتوقف الأمر عند التنزيل بل امتد إلى سياسات دولة فحين أمر الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان بتعريب الدواوين وسك العملة بالعربية تحولت العربية إلى لغة الدولة والاقتصاد وتوطدت رمزا سياسيا وحضاريا جامعا ولا ريب أن هذا التلازم بين النفوذ السياسي ومركزية اللغة تكرر في تجارب أخرى عبر التاريخ فقد أصبحت اللاتينية لغة الكنيسة والإدارة في أوروبا العصور الوسطى لأن الإمبراطورية الرومانية خلفت إرثها السياسي والديني بينما صعدت الفرنسية في العصور الحديثة بوصفها لغة الدبلوماسية الرفيعة في ظل قوة فرنسا العسكرية والثقافية وهكذا نرى أن القوة حين تستقر في مركز تجر وراءها لغة المركز بوصفها وسيلة سيادة ناعمة وفي العصر الحديث أعادت الإنكليزية إنتاج هذه المعادلة على نطاق عالمي بصورة غير مسبوقة فمنذ توسع الإمبراطورية البريطانية غدت الإنكليزية لغة السياسة والتجارة والإدارة والتعليم ثم ورثت الولايات المتحدة هذا الإرث وزادت عليه قوة الاقتصاد والتكنولوجيا ووسائل الإعلام حتى صارت الإنكليزية لغة العلوم والمعرفة الكونية ولم تعد هيمنة الإنكليزية مجرد نتيجة لانتشارها في المستعمرات بل تحولت إلى أفق معرفي يحدد معايير النشر الأكاديمي والتواصل العلمي والاقتصادي ويعيد صياغة لغات العالم الأخرى وفق منطقه الخاص إن حركة اللغة في الزمن لم تترك العرب ولسانهم بمنأى عنها فعلى الرغم من أن العربية عرفت في تاريخها ذروة سيادة مكنت علومها من الانتشار من الأندلس حتى تخوم الصين إلا أن واقع اليوم يكشف عن استلاب لغوي يهدد حضورها فشريحة واسعة من خريجي مدارس الإنترناشونال تتلقى علومها وتفكر بلغة أجنبية في مجالات العلوم والاجتماع والسياسة بل حتى في لغة التواصل اليومي وما يرتبط بها من مشاعر مما يضعف إحساس هذه الشريحة بالمعجم العربي ويوهي قدرتها على توليد مفاهيم جديدة داخله والأخطر أن أنياب الاستلاب تطاول ميدان البحث العلمي إذ تكتب الرسائل والأبحاث بالإنكليزية أو الفرنسية حصرا لنيل الاعتراف من المجلات المصنفة بينما تتراجع العربية في الحقول العلمية البحتة إلى موقع التلقي أو الترجمة لتحاصر في زوايا التهميش خاصة أن الإنكليزية والفرنسية هما لغتا التعليم في المرحلة الجامعية الأولى في معظم التخصصات في الوطن العربي كل هذا يجري في غفلة أو تغافل عن أن اللسان ليس مجرد أداة تواصل بل وعاء لإنتاج المعرفة أو تعطيلها تعريب الدواوين وسك العملة بالعربية كان قرارا سياديا يربط اللسان بالسياسة والاقتصاد ويؤكد أن صيانة اللغة شرط من شروط الدولة وإذا عدنا إلى اللحظة التأسيسية للإسلام وجدنا أن تعريب الدواوين وسك العملة بالعربية كان قرارا سياديا يربط اللسان بالسياسة والاقتصاد ويؤكد أن صيانة اللغة شرط من شروط الدولة بل إن الإسلام نفسه وكل التغيير الذي أحدثه خلال عشرين سنة قد بدأ بثورة لغوية إذ جعل معجزة نبيه الخالدة القرآن الكريم والقرآن ما هو إنه كلام ثورة لغوية قلبت حال العرب والعالم معا أما اليوم فإننا إزاء وضع مقلوب تنكمش فيه العربية في أهم مجالات المستقبل بينما تتسع لغات المراكز المهيمنة ولا شك أن سيادة العربية في عصور ازدهارها على سائر لغات بيئتها لم تكن وليدة الصدفة بل كانت ثمرة قرار حضاري أدرك مبكرا أن من يملك اللسان يملك المعنى ومن يملكهما فإن لديه ما يقوله للعالم الهيمنة العسكرية والاقتصادية توفر الحاضنة لكن الذي يمنحها الاستمرار هو الهيمنة اللغوية التي تعيد تشكيل العقول وأنماط التفكير ومن يتأمل هذه السيرورة يكتشف أن اللغة كانت دائما شريكا للقوة في صناعة التاريخ فالهيمنة العسكرية والاقتصادية توفر الحاضنة لكن الذي يمنحها الاستمرار هو الهيمنة اللغوية التي تعيد تشكيل العقول وأنماط التفكير وهو ما عبر عنه الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي بمفهوم الهيمنة الثقافية أي القدرة على جعل المعايير التي تضعها القوى الكبرى تبدو طبيعية ومسلما بها فحين تصبح الإنكليزية مثلا لغة المنهج العلمي ووسائط الاقتصاد الرقمي فإنها لا تنقل كلمات فحسب بل تزرع نسقا من القيم والمفاهيم يحدد كيف نفكر ونبحث ونبدع أما والحال كذلك فإن استعادة العربية ومكانتها لا تقتصر على سن قوانين لحماية اللغة بل تتطلب مشروعا متكاملا يعيد للعربية دورها في إنتاج المعرفة والابتكار فكيف يتسق أن تسن قوانين لحماية اللغة ثم تمنح التراخيص بإنشاء مدارس الإنترناشونال التي تغزو الوطن العربي وإذا كانت هذه المدارس قد أنشئت أولا لأبناء الجاليات الأجنبية فكيف تسمح وزارات التربية والتعليم لطفل عربي يعيش في أرض عربية أن يتعلم بغير لغته الأم فيغدو غريبا مستعمرا في دياره مغتربا عن أمه اللغة وأمته إن القوة لا تقاس بالمساحات التي تسيطر عليها الجيوش وحسب بل بالمساحات التي تشغلها اللغة في الجامعات والمختبرات والبحوث ومنصات الإعلام الرقمي ووعيا بهذا فإن الجمهورية التركية التي لا تعادل إلا بلدا عربيا واحدا مثل مصر تقدم كل سنة خمسة آلاف منحة دراسية للطلاب من حول العالم لا لشيء إلا كي تنشر لغتها وثقافتها وتعزز حضورها وسيادتها فهؤلاء الطلاب سيتعلمون الطب والهندسة والزراعة والفنون وكل العلوم باللغة التركية ثم يعودون سفراء لهذه اللغة في بلادهم يفكرون بها يترنمون بأغانيها ويكتبون مقالاتهم وأبحاثهم بها وقد جاءت هذه النهضة اللغوية التركية مصاحبة للنهضة الحديثة التي تشهدها تركيا ذلك من منطلق أن اللغة التي تتراجع عن مواقع الخطاب السياسي وحقول التعليم والإعلام المختلفة تتضاءل قدرتها على تشكيل المستقبل حتى لو بقيت حية في الاستعمال اليومي وهكذا في نهاية هذه الرحلة يكشف تاريخ الهيمنة اللغوية من لهجة قريش إلى الإنكليزية المعولمة عن حقيقة واحدة من يملك الكلمة يملك القدرة على رسم خرائط الوعي والخيال وإذا أراد العرب أن يكون لهم موقع فاعل في العالم القادم فعليهم أن يعيدوا وصل السياسة باللسان وأن يجعلوا من العربية أداة للسيادة لا مجرد أثر منسي في الذاكرة

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح