الهوية الجنوبية بين عمق التاريخ وفخ اليمننة

بقلم / محمد علي رشيد النعماني
لم تكن السطور التي خطّها عبدالرحمن أنيس، مجرد نقاش تاريخي عابر أو قراءة بريئة لأحداث الماضي، بل هي في جوهرها هجوم سياسي ناعم يستهدف بصورة مباشرة ومبطنة مشروعية التحول الطبيعي نحو استعادة الهوية العربية للجنوب. إن محاولة تأطير هذا النقاش ضمن قوالب تاريخية منقوصة تتطلب رداً تحليلياً يوضح المغالطات الكامنة فيه، ويكشف الأبعاد السياسية التي تقف خلف هذا الطرح.
تعتمد الرواية المطروحة على مغالطة أساسية تتمثل في محاولة حصر مسمى “الجنوب العربي” وربطه حصرياً بتجربة “اتحاد إمارات الجنوب العربي” التي رعتها الإدارة البريطانية بين عامي 1959 و1967، وكأن الهوية الجنوبية لم تكن موجودة قبل تلك المرحلة. هذا الطرح يتجاهل حقيقة تاريخية واضحة مفادها أن الجنوب العربي يمثل هوية جغرافية وتاريخية وثقافية أوسع بكثير من أي مشروع سياسي مؤقت أو صيغة إدارية ارتبطت بفترة الاستعمار.
كما أن الادعاء بأن ثورة 14 أكتوبر قامت لإسقاط مفهوم “الجنوب العربي” يمثل قراءة انتقائية للتاريخ؛ فالثورة قامت أساساً من أجل التحرر الوطني وإنهاء الاستعمار البريطاني، لا من أجل إلغاء الهوية الجنوبية أو استبدالها بهوية أخرى. أما التحولات التي شهدتها مرحلة ما بعد الاستقلال فقد جاءت في سياق صعود التيارات القومية والاشتراكية آنذاك، والتي فرضت رؤيتها السياسية والأيديولوجية على حساب الهوية الوطنية التاريخية للجنوب.
ولا يمكن فصل هذا الخطاب عن السياق السياسي الراهن، إذ تبدو الأهداف التكتيكية واضحة في محاولة خلق حالة من التشكيك والانقسام داخل الساحة الجنوبية، عبر تصوير العودة إلى الهوية العربية الجنوبية وكأنها تهديد للمنجز الوطني الذي تحقق في 30 نوفمبر 1967. بينما الحقيقة أن استعادة الهوية الجنوبية لا تلغي منجز الاستقلال، بل تسعى إلى حمايته من التوظيف السياسي الذي أدى لاحقاً إلى تذويب خصوصية الجنوب داخل مشاريع أخرى أضعفت حضوره السياسي والوطني.
إن الفهم السياسي المعاصر للقضية الجنوبية يقتضي التفريق بين “الوعاء السياسي” و”الهوية التاريخية”. فجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية كانت مرحلة سياسية ارتبطت بظروف زمنية وأيديولوجية معينة، بينما يظل الجنوب العربي إطاراً جغرافياً وتاريخياً وهوية متجذرة
ارسال الخبر الى: