النور الذي أنطفى باكرا

يمنات
توفيق القدسي
اليوم الأربعاء تمر خمسة عشر عاماً على وفاة أختي الوسطى، ولا يزال هذا الغياب حاضراً في نفسي حتى اليوم. كانت منذ صغرها ذكية ومتفوقة في دراستها، وقريبة مني، تشاركني تفاصيل حياتها البسيطة، وتحدثني عن دراستها وأحلامها الكبيرة.
ما زلت أذكر إحدى المساءات فوق سطح منزلنا في القرية، حين كنا نجلس أنا وأخواتي، فتحدثت إليّ بحماس عن رغبتها في إكمال دراستها الجامعية بعد الثانوية، بل وطموحها في مواصلة الدراسات العليا. كنت أستمع إليها وأشجعها هي وأخواتي، ووعدتهن آنذاك بأن أبذل قصارى جهدي لأكون سنداً لهن حتى يحققن أحلامهن.
في صنعاء، كنت أقطع المسافات بحثاً عن ملخصات مواد الثانوية وأرسلها لهن، كما كنت أتابعهن وأشجعهن باستمرار. وما زلت أذكر حين كنت أعود إلى القرية في أيام العيد ومعي بعض الهدايا، فما إن تلمحني هي وأخواتي من بعيد عند أسفل البيت حتى يهرعن نحوي، فأضمهن إلى صدري. كانت تلك من أجمل لحظات العمر.
لكن مسار حياتها تغير عندما بلغت السابعة عشرة. فبعد إنهاء الثانوية، وقبل صدور النتيجة، تدخل أخي الأكبر في تقرير مصيرها، ووعدها بأنها ستعيش حياة أفضل وستكمل دراستها بعد الزواج. وبفعل الضغط والإقناع، وافقت على الزواج من رجل يكبرها بسنوات كثيرة.
كنت معترضاً بشدة، فلم أكن أرى في ذلك القرار مستقبلاً يليق بفتاة تحمل كل تلك الأحلام. غير أن رأيي لم يكن كافياً لتغيير ما حدث، ومضت الأيام لتكشف قسوة الواقع.
تلك الفتاة التي كانت تملأ البيت حياة، أصبحت زوجة مثقلة بهموم البيت. في سنوات قليلة، أصبحت أماً لأربعة أطفال، ووسط هذه المسؤوليات الكبيرة، بدأت تعاني بصمت حتى أُصيبت بجلطة ، نُقلت على إثرها إلى أحد مستشفيات مدينة حجة حيث كان يعمل زوجها.
أُدخلت إلى العناية المركزة، وبفضل الله ثم الأطباء بدأت تستعيد عافيتها، وأكد الأطباء ضرورة بقائها تحت الملاحظة لمدة لا تقل عن 24 ساعة، وأبلغنا زوجها بأن حالتها تحسنت، وكنا حينها قد تحركنا باتجاه مدينة حجة لزيارتها، وطلب منا أن نعود لأنها قد تحسنت، والحمد لله.
ارسال الخبر الى: