النكهات المغشوشة
يختزل اللاجئون أوطانهم في نكهات محدّدة، ويصرّون، في بلاد الغربة، على إعلاء قيمة النكهات المرتبطة ببلادهم الأم، تلك التي تفوح من تفاصيل الذاكرة الفردية والجماعية. والاختزال هنا ليس جملة معترضة في حديث عن الوطن البعيد، ولا جزءاً مكتوباً في حكاية صغيرة تُروى في معرض استدعاء الذاكرة في مناسبة معينة، ولا خلطة معلنة في مهرجان تراثي يجمع الغرباء، وكأنّ النكهة وسيلة للتعارف أو لتعريف الآخرين بالنكهات الوطنية. الاختزال هنا حضور مهيمن للنكهة، أكبر من تعبير وأوسع من تعريف، وكأنه حضور للوطن بكل تفاصيله.
لكن اللاجئ السوري في ألمانيا أو فرنسا أو سواهما، مصرّ على مقاومة الغربة بنكهات محدّدة، وبمواد وأنواع غذائية بعينها، ومن الأفضل أن تكون مصنّعة ومعلّبة ومسَوّقة من البلد الأصلي. وقد أسهم كل ذلك في تشكيل ظاهرة أسواق العرب في أوروبا، على غرار أسواق الهنود والأفارقة في بلدان المهجر.
إن الإصرار على ضخ المواد الغذائية من المصدر الوطني، إن صح التعبير، خلق واقعاً مستجداً في مواجهة الرقابة الغذائية والمتابعة الصحية لجودة المنتجات وسلامة الأغذية في بلدان اللجوء. وهذه الرقابة، إن لم نقل إنها نادرة في بلادنا، فهي غير فعّالة وغائبة في أغلب الأحيان. هذا عدا عن الأخبار المتكرّرة التي تتحدث عن تلاعب بعض العلامات التجارية بتواريخ الإنتاج والصلاحية، مع الإشارة إلى قائمة المواد المحظورة في الصناعات الغذائية وتجارتها في أوروبا، والغائبة كلياً في العالم العربي، ولا سيّما ما يتعلق باستخدام المبيدات الحشرية والفطرية والسموم في الزراعة، بذريعة ضمان جودة المنتجات الزراعية وتحقيق سعر بيع مجزٍ يغطي ما يتكبده الفلاحون، في ظل غياب أي دعم من الجهات المختصة.
الاختزال هنا حضور مهيمن للنكهة، أكبر من تعبير وأوسع من تعريف، وكأنه حضور للوطن بكل تفاصيله
إذن، في ظل التناقض بين البنية الإنتاجية والتسويقية للصناعات الغذائية في بلدان اللجوء، والإصرار على أن تكون كفة النكهة الأصلية هي الأرجح، يبدو الإصرار على شراء المنتج الوطني واستهلاكه وكأنه إمعان في تجاهل الأمن والسلامة الغذائية. فما معنى أن توقف السلطات الألمانية بيع منتج مستورد من
ارسال الخبر الى: