مطلع الشهر الماضي أعلنت دار المسيرة للنشر والتوزيع في تونس العاصمة عن آخر إصداراتها العبادة الوثنية في أرياف أفريكا الرومانية للمؤرخة سوسن بوخشانة والذي يمثل بحثا في تفصيل دقيق ضمن مجال الدراسات التاريخية التي شكلت محور اهتمام الدار منذ تأسيسها سنة 2017 لتكون بذلك مثالا على مرحلة جديدة من تجربة النشر عنوانها التخصص وتحديدا بالنسبة للجيل الشاب من الناشرين لا يمكن وصف ظاهرة النشر المتخصص بكونها وليدة اللحظة إذ سبق أن تمايزت أصناف معينة من الإنتاج الأدبي أو الفكري بتخصص دور نشر معينة فيها من ذلك الدراسات القانونية التي اختصت بها أسماء معينة منذ ما يناهز العقدين على غرار مجمع الأطرش للكتاب المختص بينما يبقى المثال الأبرز هو أدب الطفل والكتاب المخصص للصغار عموما قصة كانت أو كتابا تربويا وتعليميا والذي أمسى تخصصا قائما بذاته تحتكره دور نشر كبرى منها كنوز للنشر في الحالات السابقة يبدو التخصص خيارا مبررا باحتياجات قطاع معين من القراء ما يوفر عائدا مستقرا ودائما للناشرين المتخصصين ولكنه يبقى أيضا محدودا بسعة ذلك الجمهور والتي لا يمكن تجاوزها وهو التحدي المطروح أمام هؤلاء الناشرين بسبب ضيق سوق الكتاب المحلية وعدم انفتاح الأسواق العربية بشكل كبير على الإنتاج التونسي شهادات ومذكرات سياسية هذا الإشكال تعكسه تجربة مؤسسة ليدرز التي عكفت خلال العشرية الماضية على نشر صنف فقط من المؤلفات هو الشهادات والسير الذاتية الخاصة بكبار رجال السياسة والإدارة سواء في عهد بن علي أو دولة الثورة على غرار رئيس مجلس النواب محمد الناصر الذي نشرت له شهادته بالفرنسية تحت عنوان جمهوريتان وتونس واحدة وفي حديث الذاكرة لرئيس الحكومة الأسبق الحبيب الصيد هذه الأعمال ورغم أهميتها بقيت بعيدة نسبيا عن القارئ العربي وأولوياته باستثناء قلة ممن اهتموا بدراسة مرحلة الانتقال الديمقراطي في تونس هذا العائق يفسر محدودية التجربة وانتشار نموذج الناشر غير المختص في تونس وهو النموذج السائد بين دور النشر الكبرى اليوم بشكل شبه مطلق إذ تعرف بعض دور النشر التونسية عربيا من قبيل دار نقوش عربية ونيرفانا ودار زينب التي اعتادت إصدار عناوين في شتى الحقول وأحيانا دون تنسيق أو ضبط مسبق لسياسة نشر واضحة المعالم وعلى أمد بعيد بينما اعتمدت دور أخرى خططا أكثر منهجية للتعاطي مع تنوع منشوراتها وهنا برزت فكرة السلاسل عبر إفراد بعض المنشورات بترتيب خاص داخل عمل المؤسسة وكأنه ناتج عن خيار تحريري مسبق ولعل أهم محاولة من حيث تواصلها لسنوات وقيمة الأعمال المنشورة ضمنها هي تجربة دار الجنوب التي واظبت على نشر الأعمال الأدبية الحديثة لروائيين تونسيين مثل محمود المسعدي والبشير خريف ضمن سلسلة بعنوان عيون معاصرة وعناوين فكرية لباحثين مثل ناجية الوريمي وآمال القرامي في سلسلة أخرى تحت عنوان معالم الحداثة وهي سلاسل لم يكتب لها في النهاية الاستمرار خاصة مع رحيل الأسماء المشرفة عليها مثل الناشر محمد المصمودي والناقد الأدبي توفيق بكار الاستدامة والمعوقات تبدو ظاهرة النشر المتخصص اليوم أكثر ديمومة إذ تؤطر منذ البداية خيارات المؤسسة وتدفع بها نحو اتجاه محدد ومن دون انقطاع كما في تجربة دار المسيرة التي راجت إصداراتها بين الباحثين والمتخصصين في الكتابات التاريخية وتمكنت من اختراق ما يمكن وصفه بفضاءات التخصص المركزية وتحديدا الجامعات والكليات وهو ما ينطبق على مجمع الأطرش خلال السنوات الماضية الذي نظم معارضه الخاصة والدورية في معظم كليات ومؤسسات القانون في تونس على مدار العام برزت فكرة السلاسل كأنها ناتجة عن خيار تحريري مسبق لدى الناشر لكن التخصص يفرض الإغراق في المحلية أحيانا مثل الدراسات التي تتناول مسائل تفصيلية للغاية في السياق التونسي على غرار الدراسات حول سير بعض الشخصيات الفاعلة في مراحل من تاريخ البلاد ومنها الوزير مصطفى خزندار أو رجل الأعمال محمود بن عياد واللذين رغم دورهما المحوري في تحديد مسار تاريخ تونس الحديث خلال القرن التاسع عشر إلا أنهما يبقيان في النهاية نماذج محلية لا تزال بعيدة عن اهتمامات القارئ أو الباحث غير التونسي nbsp