النسخة الليبية من نظرية الفستق
قرأت قبل سنوات كتاباً بعنوان نظرية الفستق، من كتب التنمية البشرية التي تقوم على فكرة بسيطة: لا تضخّم التفاصيل، لا تمنح التوافه أكبر من حجمها، غيّر زاوية النظر كي تهدأ. لم يعد هذا النوع من الكتب يُشغلني، لكن العنوان عاد إلى ذهني هذه الأيّام، لأنّنا في ليبيا لا نكتفي بتضخيم التوافه، بل نحوّلها إلى معارك أخلاقية كبرى.
القّصة كما انتشرت أنّ الحرس البلدي في بنغازي صادر نوعاً من المُكسّرات، يُقال إنّه فستق، لأنّ غلافه يحمل صورة امرأة وُصفت بأنها خليعة ومخالفة لما سُمّي الأدب العام وقيم المجتمع. خلال ساعات، تحوّلت الواقعة إلى ترند، وتداولتها قنوات ووسائل إعلام داخل ليبيا وخارجها، ووجدنا أنفسنا في معركة ضدّ صورة على كيس مكسّرات، وانجرّ كثيرون إليها بحماسة. وأولهم، بطبيعة الحال، صديقي الوهمي.
ليست هذه الحادثة سابقة ولا فريدة من نوعها، فقد شهدنا مصادرة شجرة كريسماس، ومنع كيكة عيد ميلاد، والتحفّظ على كتاب لأنّ عنوانه لا يعجب ذائقة شرطي، وملاحقة مُنتجات تحمل ألوان قوس قزح. شرقاً وغرباً، يتكرّر المشهد نفسه: سرعة في ملاحقة التفاصيل الهامشية والتفاهات، وبطء في ملاحقة الجرائم الفعلية ومُرتكبيها.
يلتقي عجز السلطة مع حاجة الناس إلى تفسير سريع، فتنتفخ التفاهة لتغطي ما هو أخطر
المشكلة ليست في صورة على غلاف أو لون على عبوة، بل في عقلية وصاية تحتاج دائماً إلى خصم صغير لتبرّر وجودها. الأدب العام وقيم المجتمع وأخلاقنا عبارات فضفاضة بلا تعريف قانوني دقيق، قابلة للتمدّد والانكماش بحسب مزاج السلطة وأحياناً الفرد. يمكن أن تشمل كتاباً، عملاً فنياً، لباساً، أو حتى رأياً. هكذا تتحوّل الأخلاق من قيم اجتماعية تُعاش إلى أدوات تقييد، حيث يُصادر منتج بدعوى الحياء، ويُكتم صوت بدعوى الانحراف، من دون معايير واضحة أو رقابة قضائية، لتصبح حماية الأخلاق بديلاً متداولاً عن حماية الحقوق.
نفسيّاً، حين تعجز السلطة عن إدارة الملفات الثقيلة، تميل إلى تضخيم ما تمكن السيطرة عليه. التفاصيل الصغيرة تمنحها مساحة آمنة لاستعراض الهيبة من دون مخاطرة. وبدلاً من مواجهة منظومات الفساد أو الإفلات من العقاب،
ارسال الخبر الى: