عن الموت والسفير والزمن الجميل أحمد عثمان
44 مشاهدة
ذهب قبل خمس سنوات ومازال حاضرا ولم يملي فراغه أحد لكنه حاضرا في قلوب الناس وذاكرة المجتمع كأحد الكبار الطيبين زارني ليلة أمس الأول نعم كانت زيارة حارة وسعيدة ومفاجئة وفرحت لزيارته كانت الزيارة تبدو في مقيل عام لكنه اتجه نحوي وتعانقنا عناقا حارا فيه كل المشاعر والتعبيرات والذكريات المكثفة التي مرت كسحابة صيف لكنها أثمرت زرعا وفاكهة وحبا لله والناس وأملا بميلاد جيل صالح ومجتمع قوي ومتماسك نعم هو حلم منام لكنني أؤمن بأن الحلم ليس فراغا بل حياة مكتملة الأركان هي أصفى وأنقى من كثافة التراب وتعكير الطين وأن للأرواح أسرارا وحياة تنتقل من دار إلى دار وما الموت إلا سر من أسرار الله وحكمته ولقصورنا نخاف منه لأننا نجهله وملتصقين بغشاوة التراب حتى إذا أزيلت الغشاوة كان الموت كيانا أليفا ووجها آخر للحياة وبدونه لم يعد للحياة الإنسانية العميقة والعاشقة للخلود معنى حلم المنام أحد أهم النوافذ الوحيدة التي تأتي لتستوعب فيض الأشواق أو عتاب الأحباب أو رسائل روحية تأتي على جناح أخ أو قريب أو ولي صالح كان هذا الزائر الكريم هو الأخ الأستاذ فارع علي سالم وهو رجل لا تستوعب الكلمات وصفه فهو لم يكن في حياته يعتمد على أرقام المال ولا حتى كثافة المعلومات والألقاب العلمية ولا الحرص على الشهرة والجاه وحب الظهور بل كان روحا يتحرك بين الناس بخلق الأنبياء وتواضع العارفين روحا لطيفة مازالت حاضرة بطيفه لطيف قوي رصين مرح هين لين سهل ممتنع عقلية سياسية ومصلح اجتماعي بالفطرة إن لله أسرارا يضعها في بعض عباده فيعيشون مثل الطيور خفة وجمالا ويمرون كسحاب عابرة بالخير محملة بحنين الرعد وأمزان المطر كنسمة خالية حتى من غضبة البرق وزمجرته وجدته وعانقته عناق أخوي وكان حلما جميلا أعادني إلى أيام الزمن الجميل وأنا واحد ممن للأزمة أياما وشهورا وسنوات صباح مساء وكان لي أخا وأبا ومستشارا ومرجعية في زمن عشنا فيه مع كوكبة من الأساتذة والطلاب والأهالي الفاعلين بتجرد نحمل مشروعا حالما بوطن كريم ومجتمع صالح خال من الأمية والجهل ومتآخ يحب الإنسان ويعلي من شأن العلم ويرفع من صناعة المعروف زارني في أحسن هيئة روحا وشكلا اعتبرت هذا نعمة لي ولعل زيارة الصالحين بشارة خير للزائر والمزار وهذا ما أرجوه كما هي إشارة لأهمية التواصل والبعد عن القطيعة وواجب الزيارة وهي هنا مهمة الأحياء عن طريق الدعاء والدعاء محبة ورزق وواجب وخصوصا الدعاء من الأبناء والإخوة والأصدقاء ورفاق الطريق وتركه قطيعة وجفاء وعدم توفيق الدعاء أحد دعائم البقاء ووسيلة التواصل بين الدنيا والآخرة والأحياء والأموات كنهر جاري ونافذة نور بالنسبة لي اعتبرت زيارة فارع علي سالم زيارة سفير مفوض فوق العادة وممثلا لكل الأحبة والأساتذة الذين فارقونا ومن حظي أنني الطرف المختار للزيارة وهذا النوع من الزيارة ليس سهلا وليس في متناول اليد مهما رغب الإنسان فيه لأنه لا يطلب بأمر ولا يشترى بمال وهذا الإحساس هو إحساس روحي ولا علاقة له بالتراب ولا يفهمه المتشبثون بالطين اللازب زيارة السفير جعلتني أذهب إلى الماضي الجميل بتفاصيله وشخوصه والتي لا يتسع المجال لذكرها هنا تفصيلا استذكرت أحداثها وشخوصها واحدا واحدا سواء الراحلين أو من ما زالوا على قيد الحياة وعادت صور الحياة الجميلة وشخوصها وحركتها في حراء وقرى الكلائبة وما حولها من قرى محيطة بالصرح التعليمي الذي وضع حجر أساسه الأستاذ شرف الدين عثمان في نهاية سبعينات القرن الماضي مع خيرة الرجال وفي المقدمة الأستاذ سعيد ناجي علي والأستاذ فارع علي سالم والمعلم عقلان مهيوب وآخرون مرحلة مرت بجمالها وتعبها ومشاهدها المتنوعة فرحا وحزنا قولا وفعلا تعليما وتربية وثقافة ومحو أمية حيث طوابير الصباح الحية الثرية تبدأ به يوما مفعما بالنشاط والتي بدأت مبكرا من قبل الأستاذ والقاضي للاحقا عبد الله المجاهد رحمه الله وفاعلية إدارية من الاستاذ التربوي عبد الكريم المجاهد عافاه الله إلى أسمار المساء ومهرجات ومخيمات الصيف ومسرحياته الهادفة أناشيد وفنون وصحف الحائط والحفلات الجماهيرية ودورات فرق كرة القدم وكرة الطائرة ونماذج الطلاب الذين اشتاقهم واحدا واحدا وقد تفرقت بهم السبل وأصبح بعضهم من صناع الحياة في مختلف المجالات والبعض الآخر انتقلوا إلى رحمة الله تذكرت الإصابة هنا والقصور هناك وحضرت سياحة الجبل ورحلات البحر الجماعية وأسمار رمضان وما أدراك ما أسمار رمضان الحية الروحية والعلمية والثقافية وحركة الناس البسطاء من أهالي ووجهاء القرية من صوت حسن ناجي إلى همهمة محمد علي وذكر غالب سيف وسماحة عبد علي هؤلاء كانوا أوتادا حاضرين ببساطتهم ومشاركتهم يمثلون المجتمع ويخدمون العلم بروح جعلتهم جزءا من روح المكان وذاكرة الزمان ولا ننسى شعرالسيد عبد الوهاب عبد الهادي رحمه الله وباكورته الترحيبية إلى شعر عبد الباري أحمد الحاج عافاه الله والتي تحولت إلى ترانيم وأناشيد وصلت إلى قرى ومدن الجمهورية وصولا إلى فريق المسرح ومسرحيات إبراهيم ناجي واحمد عبد علي ومرح وانسيانية إبراهيم مهيوب رحمهم الله جميعا كما تحضر صلاة التراويح بصوت عبقري مميز ينطلق من حنجرة عبد الجليل فارع عافاه الله تلاوة تخشع لها السهل والجبل وفرق الأناشيد التي تغنى معها جبل الراهش وغيل الساحية والهزوم تردد معها قرى الكلائبة وتتجاوب معها المسراخ ورأس النقيل وذي البرح وحصبان وبرداد والنوازل والمحشأ بجبل حبشي إلى شرجب وبني غازي التربة مرورا ببني يوسف والمعلم محمد علي إسماعيل وكلها أماكن وأشخاص كانت تتحرك مثل النحل علما وثقافة وتواصلا من والى حراء لأن حراء كان مكانا جاذبا لأنشطة فنية وثقافية وطلاب ومدرسون وقادة من مديريات وقرى بعيدة وقامات عديدة أذكر منهم على سبيل المثال الأساتذة علي سلطان ومحمد علي إسماعيل وأحمد عبد الجليل وعبد القوي الحصيني وعبد الله أحمد علي وعبد الله السراجي أساتذة وطلاب ومجتمع ومعلمين وقادة مروا من هنا وخلفهم العديد من الشخصيات الفاعلة والموهوبة زيارة فارع علي استدعت الماضي بتفاصيله بصورة يصعب تسجيلها هنا فهي حياة كاملة لجيل ساهم في زراعة الكلمة والكلمة هي الروح والحياة التي تنبت سنابل في كل سنبلة مائة حبة ووديان معلومة وغير معلومة وما لا يعلم مستقرها إلا الله وتستقر بعد الموت جنة وأنوارا وخيرا عميم لا يصل إليه خيال حيث كرم الله الحي القيوم ورحمته التي لا حد لها ولا حدود وحبل لا ينقطع حيث الجنة دار أخرى بقوانين مختلفة الزمان والمكان والخيال لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على بال بشر ومن حقك أن تفتح خيالك كيف يجري هذا بعد الموت الذي نخافه جهلا بينما هو المخرج إلى فسحة فسيحة تغشاه رحمة الله التي وسعت كل شيء هذا الموت الذي زارني من ورائه قبل امس الأستاذ فارع علي بانشراح بهيج وقطع حاجزا غامضا ليسافر بنا عبر الزمن بقوانين الروح الذي لا حدود زمانية ولا مكانية لها والغريب أنه جاء في ذكرى رحيله الخامسة بما لها من دلالات فكم أنا محظوظ
ارسال الخبر الى: