المنظمات الحقوقية اليمنية وأزمة المهنية في زمن الحرب

يمنات
أحمد طه المعبقي
في ظل تصاعد العمليات العسكرية في اليمن واتساع نطاق انتهاكات القانون الدولي الإنساني، تبرز فجوة حقوقية ومهنية بالغة الخطورة تتمثل في غياب منظمة حقوقية يمنية متخصصة ومستقلة وذات كفاءة كافية لرصد انتهاكات القانون الدولي الإنساني وتوثيقها أثناء النزاع المسلح، وفق منهجيات مهنية محايدة.
وبعد أكثر من ثلاثة عقود على نشوء النشاط الحقوقي والمدني في اليمن وتوسعه، كان من المفترض أن تكون هذه التجربة قد أفرزت مؤسسات حقوقية أكثر تخصصاً واستقلالية وقدرة على التعامل مع تعقيدات النزاعات المسلحة. غير أن الواقع يكشف، في حالات عديدة، استمرار استخدام الآليات والأدوات ذاتها التي كانت معتمدة في ظروف السلم، كما لو أن طبيعة الانتهاكات لم تتغير، وكأن الحرب لا تستلزم أدوات ومعايير مهنية مختلفة.
والحقيقة أن الحرب لم تصنع أزمة المهنية في المنظمات الحقوقية اليمنية، بل كشفتها. فهذه المنظمات لم تقدم، حتى في زمن السلم، نموذجاً حقوقياً مهنياً مكتمل الأدوات، ولذلك بدت عاجزة في زمن الحرب عن الانتقال من خطاب الحقوق إلى مهنة التوثيق، ومن الموقف السياسي إلى الحقيقة القانونية.
فرصد انتهاكات حقوق الإنسان في زمن السلم يختلف جوهرياً عن رصد انتهاكات القانون الدولي الإنساني أثناء الحرب، إذ يتطلب النزاع المسلح إلماماً دقيقاً بقواعد التمييز والتناسب والاحتياط، وحماية المدنيين، وتحديد الوضع القانوني للمقاتلين، وحظر استهداف الأعيان المدنية، وقضايا الاحتجاز والنزوح، وغيرها من القواعد المنظمة لسلوك أطراف النزاع.
ولا تقتصر المشكلة على نقص الموارد، بل تمتد إلى ضعف التخصص والاستقلالية ومنهجيات التوثيق. فعندما تتحول بعض المنظمات إلى منصات سياسية، أو تتأثر مواقفها بالاصطفافات والانقسامات، تتراجع قدرتها تدريجياً على تقديم رواية حقوقية مستقلة. وعندما يصبح تحديد الضحية والجاني مرتبطاً بالموقف السياسي، تتحول الحقوق من معيار ثابت إلى خطاب انتقائي.
ولا يحتاج اليمن في هذه المرحلة إلى مزيد من البيانات الحقوقية التي تكرر المواقف السياسية لأطراف النزاع، بقدر حاجته إلى مؤسسة حقوقية وطنية مهنية ومستقلة، تضم فرقاً لديها إلمام بقواعد القانون الدولي الإنساني، والتحقيق والتوثيق، والتحقق من الأدلة، وحماية الشهود،
ارسال الخبر الى: