باب المندب في زمن مونفريد وزمن الحوثيين من الجغرافيا إلى السلاح

باب المندب لم يكن ولن يكون مجرد مضيق بحري تتزاحم فيه السفن التجارية وناقلات النفط، ولا مجرد نقطة على الخريطة تفصل البحر الأحمر عن خليج عدن؛ إنه، في جوهره الجيوسياسي، واحدة من أكثر النقاط حساسية في النظام العالمي. فمن يملك القدرة على تهديد حرية الملاحة فيه يستطيع أن يؤثر، ولو بصورة غير مباشرة، في التجارة والطاقة والتأمين وسلاسل الإمداد، بل يستطيع أن يحوّل أزمة إقليمية إلى أزمة دولية.
ومن هنا تبدو العودة إلى ما كتبته عن هنري دي مونفريد في الطبعة الثانية من كتابي (هنري موفريد ومغامراته في البحر أحمر وخليج عدن) أكثر من مجرد عودة إلى الماضي. فالكتاب ينطلق من سؤال لافت: هل يتكرر التاريخ في البحر الأحمر؟. وقد خلصت إلى أن البحر الأحمر ظل، منذ التنافس العثماني ـ البرتغالي في القرن السادس عشر، ثم التنافس البريطاني ـ الفرنسي ـ العثماني في زمن مونفريد، وصولًا إلى التنافس الدولي الراهن، فضاءً تتكرر فيه أهمية المضائق والموانئ وطرق التجارة، وإن اختلف الفاعلون والسياقات.
وهنا تكمن أهمية النقد الثقافي: فالتاريخ لا يعود بالضرورة في صورة الأحداث نفسها، وإنما يعود في البنية العميقة التي تنتج الأحداث. يتغير اسم الإمبراطورية، وتتغير الأيديولوجيات، وتتغير الأدوات من المدفعية والسفن الحربية إلى الصواريخ والطائرات المسيّرة، لكن تظل القاعدة واحدة: المضيق الصغير قد يمنح قوة إقليمية محدودة القدرة العسكرية نفوذًا يتجاوز حجمها الجغرافي والديموغرافي.
من البرتغاليين إلى البريطانيين: حين اكتشفت القوى الكبرى قيمة المضيق
ليست محاولة التحكم في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر وليدة القرن الحادي والعشرين. ففي مطلع القرن السادس عشر، وبعد اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح، سعى البرتغاليون إلى إغلاق طريق الملاحة عبر خليج عدن والبحر الأحمر، في محاولة لتحويل طرق التجارة العالمية بعيدًا عن المراكز التجارية التقليدية. وأرى أن الصراع الراهن لا يمكن فهمه خارج هذا التاريخ الطويل للتنافس على طرق الملاحة.
ثم جاء القرن التاسع عشر ليعيد صياغة أهمية المنطقة. فاحتلال نابليون لمصر وطموحه في ضرب المصالح البريطانية في الهند جعلا عدن وبريم، أو ميون،
ارسال الخبر الى: