هل تكفي المنح المالية لإنجاب مزيد من الأطفال في كوريا الجنوبية
132 مشاهدة
تراجع الخصوبة في الدول المتقدمة بات مهددا لعجلة الاقتصاد الأمر الذي يدفع كثيرا من الحكومات إلى إعادة النظر في سياسات العمل بما يشجع العاملين على الإنجاب عبر الحوافز الضريبية والاجتماعية وقد سلط صندوق الأمم المتحدة للسكان في مسحه الأخير يونيو 2025 الضوء على أن المخاوف المتعلقة بالأمان الاقتصادي والوظيفي هي العامل الأكبر الذي يمنع الأزواج من إنجاب عدد الأطفال الذي يرغبون فيه وتحذر دراسة حديثة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أويسيد تحذر من أنه بحلول عام 2060 سينخفض عدد من هم في سن العمل في الاقتصادات المتقدمة بنسبة 8 وهو ما يعني أن نسبة من هم على التقاعد إلى العدد الإجمالي للسكان سترتفع إلى 52 مقابل 31 في عام 2023 في كوريا الجنوبية تبدو الصورة أكثر قتامة حيث يعتبر معدل الإنجاب فيها الأقل عالميا بما لا يتجاوز 0 75 طفل لكل امرأة فقط ومن المتوقع أن ينخفض عدد السكان بنحو الثلث بحلول عام 2072 إذا استمر المعدل الحالي أما تداعيات استمرار ذلك فربما تكون كارثية على ما يصف بـالمعجزة الكورية فسيؤدي إلى تقلص القوة العاملة تراجع الإيرادات الضريبية وأن تصبح المدارس فارغة ويصبح المجتمع قوامه من المسنين الذي لا يجدون من يعتني بهم أما الجيش الذي هو في حالة تأهب دائم فلن يجد مجندين ينضمون إلى صفوفه وقد ضخت الحكومة مئات المليارات من الدولارات في محاولة لمعالجة المشكلة بدءا من منح نقدية مباشرة للأطفال حديثي الولادة إلى الإسكان المدعوم والإعفاءات الضريبية لكن النتائج كانت محدودة والآن انضمت الشركات الخاصة التي تخشى مستقبلا بلا عمال إلى هذه البرامج التي تقدم منحا مالية سخية للموظفين فقط لينجبوا مزيدا من الأطفال كانت شركة Booyoung بوويونغ للمقاولات هي السباقة والأجرأ ففي العام الماضي انتهز الملياردير لي جونغ كين صاحب الشركة ومؤسسها فرصة تهنئة العام الجديد ليعلن خبرا غير عادي لقد قرر لي جونغ أن يمنح كل موظف ينجب طفلا علاوة تبلغ 75 ألف دولار وأن تطبق هذه العلاوة بأثر رجعي على المواليد خلال الأعوام الثلاثة السابقة وتقول الشركة إن تأثير سياستها كان فوريا فالمبالغ التي منحتها والتي تعادل تقريبا ضعف متوسط نصيب الفرد السنوي من الدخل في كوريا شجعت 28 موظفا على إنجاب أطفال في العام الماضي أي بزيادة نحو خمسة أطفال عن المعدل المعتاد وهو ما تنسبه الشركة إلى هذه السياسة الجديدة كما ساعدت المدفوعات في تغيير الثقافة المؤسسية ففي كوريا الجنوبية لطالما حالت ساعات العمل الطويلة والثقافة المكتبية التنافسية والأبوية دون الإقدام على الإنجاب أما الآن فقد بدأ الموظفون يشجع بعضهم بعضا على الزواج والحصول على المال وشراء منزل بحسب تقرير لوكالة بلومبيرغ وسارت شركات كبرى أخرى على خطى بوويون لتحقيق هدف بسيط يتمثل في دفع المال للموظفين من أجل الإنجاب لأن هذا هو الحل الأقل تكلفة على المدى الطويل من إدارة أعمال في بلد يخلو من الأطفال مخاوف عالمية ورغم أن كوريا الجنوبية لديها أدنى معدلات الخصوبة عالميا فهي ليست الدولة الوحيدة التي تقلق بشأن مستقبلها الديمغرافي فمعدلات المواليد في تراجع لدى العديد من جيرانها الآسيويين وكذلك في الاقتصادات المتقدمة في أوروبا والولايات المتحدة وقد قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن منحة بقيمة 5 000 دولار لكل مولود ستكون فكرة جيدة بينما أعلنت الصين التي يبلغ عدد سكانها 1 4 مليار نسمة في أواخر يوليو أنها ستبدأ في تقديم 3 600 يوان 500 دولار سنويا لكل طفل دون سن الثالثة ويأتي اندفاع الشركات الكورية إلى الإنفاق في هذا المجال إضافة إلى المبادرات الحكومية المستمرة منذ عقود التي شملت توسيع خدمات رعاية الأطفال وإطالة فترات إجازة رعاية الأطفال وتقديم قروض عقارية أرخص وفي مدينة إنتشون غرب سيول يمكن للأسر التي لديها أطفال حديثو الولادة الانتقال إلى شقق عامة مقابل ما يعادل 22 دولارا شهريا أما في سيول فيمكن للآباء الذين لا يملكون منزلا الحصول على أكثر من 5000 دولار بوصفها مساعدات سكنية عن كل طفل على مدى عامين وتستهدف الحكومة رفع معدل الخصوبة إلى 1 طفل لكل امرأة بحلول عام 2030 في حين أن معدل الخصوبة الأدنى يتعين أن يكون 2 1 طفل لكل امرأة وهو المستوى اللازم لتعويض السكان والحفاظ على استقرارهم العددي ويشير تقرير بلومبيرغ إلى أن هذه السياسات التي تطبقها الحكومة والقطاع الخاص بدأت تؤتي ثمارها فللمرة الأولى منذ نحو عقد ارتفع معدل المواليد العام الماضي ومن يناير إلى مايو من هذا العام زاد المعدل بنحو 7 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق كما شهدت معدلات الزواج ارتفاعا ملحوظا وقال جو هيونغ هوان رئيس لجنة الرئاسة المعنية بمجتمع الشيخوخة وسياسات السكان وهي لجنة مشتركة بين القطاعين العام والخاص أنشئت قبل نحو عقدين للإشراف على السياسات الديمغرافية وتنسيقها نرى أن ما يحدث هو تغير هيكلي وليس مؤقتا ومع ذلك لا يزال كثيرون متشككين إذ يقول المنتقدون إن جزءا من هذا الانتعاش قد يعزى إلى تراكم حالات الزواج المؤجلة خلال جائحة كوفيد 19 ويحذرون من أن المساعدات المالية ليست حلا دائما فالتغييرات الهيكلية هي الأهم ويقول كو وو ريم أستاذ سياسات السكان في جامعة سيول الوطنية رغم أن البدلات المالية تمثل إشارة مهمة لكن ترتيبات العمل المرنة أكثر أهمية في الصورة الأشمل وعلى المدى البعيد ستحتاج البلاد إلى جعل الانتقال جذابا أمام الشباب العاملين للخروج من منطقة العاصمة الكبرى سيول حيث ترتفع تكاليف الزواج والإنجاب إلى مناطق أقل كثافة سكانية حيث تربية الأطفال أسهل وقد شكك المسح الذي أجراه صندوق الأمم المتحدة للإسكان في جدوى المحفزات المالية وحدها لتشجيع الإنجاب إذ تشير الدراسات إلى أن التحولات الثقافية والاجتماعية في ما يتعلق بمفهوم الأسرة والعمل والنجاح باتت من العوامل المؤثرة فيما يشهده العالم من تراجع سكاني رغم ذلك يبدو أن المحفزات المالية هي الوسيلة المتاحة حاليا على الأقل في كوريا الجنوبية لتدارك الخطر الديمغرافي فقد أضافت شركة كرافتون مطورة أعمال الفيديو امتيازات جديدة للعاملين فيها مثل خدمات حضانة الأطفال الطارئة وضمان توفير موظفين بدلاء خلال إجازات رعاية الأطفال وحماية الموظفين من أي عقوبات مهنية بسبب أخذ إجازات وفي حضانة الشركة الداخلية في سيول يلعب نحو 24 طفلا بالمكعبات والكرات أو السيارات الصغيرة بينما يتناوب 15 معلما على رعايتهم حتى الساعة 9 30 مساء إذا استدعت ظروف العمل تأخر الوالدين