الملابس المستعملة في لندن عاصمة الضباب تعيد اكتشاف الموضة
118 مشاهدة
في مدينة تتغير ملامحها بسرعة تعجز الخرائط عن مواكبتها تقف متاجر الملابس المستعملة في لندن كأنها جيوب صغيرة تقاوم النسيان إنها أماكن لا تشبه واجهات العلامات الفاخرة التي تتلألأ في شارع أكسفورد ولا تصرخ بشعارات الموضة الموسمية بل همساتها تأتي من مسافات أبعد من خزائن نساء رحلن ومن ليال حضرتها فساتين لم تعد تتذكر اسم المناسبات التي زينت بها هنا يمكن للمرء أن يشتري قطعة لا تباع بوزن علامتها التجارية بل بوزن قصتها في الأسابيع الأخيرة تجولت بين أرفف هذه المتاجر التي تعرف محليا بـالخيريات أو Pre loved من جنوبي لندن حتى أطراف ووكينغ وسري حيث تباع الملابس المستعملة بأسعار بسيطة وغالبا لمصلحة مشاريع خيرية وإنسانية تغيرت النظرة الاجتماعية إلى هذه الأماكن فلم تعد دليل عوز أو رمز طبقة دنيا بل تحولت إلى موضة بحد ذاتها يقصدها شباب واع يريد أن يرتدي ما يشبهه وليس ما يفرض عليه ببطء وثقة صارت هذه المتاجر فضاء للحضور الثقافي ولإعلان موقف جريء من العالم أناقة بلا هدر تغير المشهد كاملا داخل هذه المتاجر فلم تعد وجهتها محصورة بمن يبحث عن سعر أقل بل بمن يبحث عن معنى مختلف للموضة موظفة في خيرية برناردوس جنوبي لندن تدعى جيسيكا قالت لـالعربي الجديد بينما تعيد ترتيب مجموعة من السترات نحن هنا لنضمن أن يتمكن الناس من الحصول على ملابس جيدة بأسعار عادلة وأن نعيد استثمار العائدات في دعم الأطفال والعائلات التي تحتاج ما هو أكثر من الثياب تضيف بانتقاد واضح بعض الخيريات بدات أخيرا برفع الأسعار بطريقة تفقد هذه المتاجر معناها الأول وجودنا ليس تجارة بحتة بل مساحة تضامن اجتماعي في نظر كثيرين لم يعد هذا التحول ظاهرة هامشية فبحسب تقرير الجمعية البريطانية لتجارة متاجر التبرعات الإحصائي Charity Retail Association لعام 2024 فإن ثمانية من كل عشرة متسوقين في المملكة المتحدة يربطون شراء الملابس المستعملة بالاستدامة البيئية وتقليل الهدر وفي دراسة تحليلية لشركة ريتيل إيكونوميكس البريطانية متخصصة في اقتصاد التجزئة 2025 تبين أن نحو ثلث الشباب يبيعون جزءا من مقتنياتهم عبر منصات إعادة البيع الرقمية ما يخلق دورة اقتصادية صغيرة تدعم القدرة الشرائية من دون استهلاك موارد إضافية يؤكد تقرير الاقتصاد التجاري في المملكة المتحدة لعام 2025 أن واحدا من كل ثلاثة شباب بات يبيع ما لا يحتاج إليه عبر منصات إعادة البيع في دورة اقتصادية صغيرة تعيد تدوير الأشياء كما تعيد تدوير المال نفسه داخل الحياة اليومية هكذا تعود القطعة إلى لظهور مرات عدة ترتديها امرأة ثم ابنتها ثم فتاة لا تعرف شيئا عنهما تتنقل قطعة القماش بين الأجيال بلا لجان تصميم ولا دور أزياء تغير لون ما نرتديه كل موسم وبينما تتآكل الثروة البصرية لعالم الموضة السريعة تبقى هذه القطع حاملة لذاكرة من خياطة يد ماهرة وطلب مخصص واحتفال قديم بين رفوف خيرية سانت رافاييلز كليرنس ستور جنوبي لندن قالت مريم وهي شابة في الثلاثينيات من العمر اعتادت أن تعبر هذا الباب كل صباح أرى الوجوه ذاتها تتكرر كل يوم صار لنا مجتمع صغير هنا فالبعض يأتي لأنه بحاجة إلى قطعة دافئة لا تكسر راتبه الشهري فيما يأتي آخرون مثل مريم بحثا عن قطع نادرة يمكن أن تباع لاحقا على منصات مثل eBay وVinted أو تحتفظ بها كنزا صغيرا وأضافت لـالعربي الجديد أحيانا أشتري لأرتدي وأحيانا لأربح القليل من المال ودائما أبحث عن قطعة لها نادرة أو مميزة روت أنها ذات مرة عثرت على فستان كحلي اللون بياقة بيضاء صغيرة وأزرار مصطفة على جانب واحد بخياطة بدا كأن أحدهم صممها لزبونة خاصة في زمن كانت الخياطة تهيمن على السوق وقبل انتشار الموضة السريعة كان سعره خمسة جنيهات فقط قالت وهي تريني صورته على هاتفها وأضافت شعرت من أول نظرة أن وراءه حكاية مخفية وبالفعل حين وصلت إلى بيتها اكتشفت داخل بطانة الفستان بطاقة صغيرة كتب عليها لويزا لورينسون ووربلزدون هنا بدأت مغامرة البحث فتحت مريم الإنترنت وبدأت تتتبع الاسم لتكتشف أن لويزا لورينسون كانت مصممة أزياء تعرف نفسها بكلمة كوستوميير تفصل حسب الطلب توعمل في منطقة ووربلزدون جنوبي بريطانيا منذ الثلاثينيات كانت تستقبل السيدات في الطابق السفلي وتخيط الفساتين في العلية قبل اختفاء اسمها تدريجيا في السبعينيات مع تغير عالم الموضة مصدر محلي يوثق تلك الحقبة في تاريخ ووربلزدون يؤكد حضورها ويظهر إعلانات قديمة لخدمتها صرحت مريم شعرت أن بين يدي جزءا من تاريخ لا يقدر بثمن وأنني اشتريته بخمسة جنيهات فقط هذا أجمل ما يحدث في الخيريات لم تكن هذه المرة الأولى التي تعثر فيها مريم على فساتين لها قيمة تاريخية أحيانا تبيع ما لا يناسبها فتعود القطعة إلى دورة جديدة من الحياة وأحيانا ترتدي قطعة ثمينة في مناسبة لتنهال عليها الأسئلة من أي متجر فاخر اشتريته لتتلاعب في الرد كما يحلو لها وتعلق إنها لعبة لذيذة قطعة فاخرة بثمن زهيد وقيمة مضاعفة وراء هذا الصعود المتسارع للموضة المستعملة عوامل أعمق مما يبدو عند باب متجر خيري بسيط فوفقا لهيئة الاستدامة البريطانية للأزياء لعام 2024 يشكل قطاع الملابس أحد أكثر القطاعات استنزافا للموارد إذ تقدر كمية المنسوجات التي ترمى سنويا في المملكة المتحدة بحوالي 1 7 مليون طن بينما لا يعاد تدوير سوى نسبة محدودة منها ما يدفع إلى البحث عن بدائل تبطئ هذا الهدر المريع ومن هنا أخذ المستهلك ولا سيما الشباب يبحث عن خيارات تتصالح مع ضميره البيئي من دون التضحية بالأناقة تذهب دراسة صادرة عن مؤسسة الأبحاث البريطانية للشباب والمجتمع 2025 إلى أن قرابة 65 من الشابات والشبان يرون أن ارتداء الملابس المستعملة أصبح تعبيرا عن الذوق الفردي والتفرد وليس عن الحاجة أو العوز ما أعاد صياغة النظرة الاجتماعية لهذه الأسواق التي كانت توصف حتى سنوات قريبة بأنها ملجأ لمن لا يملكون رفاهية الشراء من المتاجر الكبرى اليوم بات ارتياد أسواق الملابس المستعملة فعلا يقترب من إعلان موقف ثقافي يرد على سرعة الاستهلاك بأسلوب أكثر بطئا ووعيا بل إن بعض الباحثين في علم الاجتماع يشيرون إلى أن هذه المتاجر لعبت دورا في كسر هرم التفاخر الاقتصادي الذي لطالما طبع عالم الموضة فالثوب الذي يحمل أثر زمن مر أو توقيع مصمم غاب قد يكتسب قيمة تضاهي القطع الفاخرة الجديدة وربما تتجاوزها لأنه يحمل قصة لا يمكن نسخها قد لا يتعلق الأمر بالثياب وحدها فالتغيير هنا سوسيولوجي قبل أن يكون استهلاكيا في الماضي كان المرور أمام متاجر الملابس المستعملة يكفي لإطلاق أحكام تقليدية هؤلاء يشترون لأنهم لا يملكون الآن تعبر فتيات الجامعات وهن يرفعن رؤوسهن بثقة يبحثن عن قطعة لا يملكها أحد غيرهن تتوقف الموضة عن أن تكون طبقة اجتماعية وتصبح هوية ويصبح التوفير ذكاء لا عارا في لندن اليوم يمكنك أن ترى شابا يخرج من متجر خيري بقطعة فريدة إلى جانب سيدة أنيقة تملك من المال ما يكفي لشراء كل جديد كلاهما يبتسم للقطعة ذاتها لأنها حكايتهما المشتركة وفي هذه المفارقة تكمن شاعرية جديدة ملابس عاشت من قبل وتستمر في العيش تذكرنا بأن الأشياء التي تستمر أجمل من تلك التي تستهلك سريعا هذه المتاجر الصغيرة التي كانت ذات يوم على هامش المدينة صارت اليوم جزءا من حركتها الثقافية هنا لا يقاس الجمال بما نشتريه حديثا بل بما ننقذه من النسيان وبين أرفف الخيريات تستعيد لندن أناقتها القديمة بلا ضجيج أناقة بلا هدر