المقاييس البلاغية في الشواهد الشعرية عند أبو الطيب المتنبي وتلقيها النقدي

يمنات
ربا رباعي – الاردن
يحتلّ أبو الطيب المتنبي منزلةً فريدة في تاريخ الشعر العربي، إذ لم يكن شاعرًا تقليديًا ينسج المعاني على منوال السابقين، بل كان مشروعًا بلاغيًّا وفكريًّا متكاملًا، استطاع أن يجعل من اللغة فضاءً للسلطة والوعي والدهشة. وقد انبنى شعره على منظومة بلاغية كثيفة، تتداخل فيها الاستعارة والكناية والمجاز والتقديم والتأخير والإيقاع الداخلي مع رؤية فلسفية عميقة للذات والوجود والسلطة. لذلك لم يكن تلقي شعره تلقّيًا عابرًا، بل أصبح ميدانًا لصراع نقدي طويل بين الإعجاب والاعتراض، وبين الاحتفاء بعبقريته البلاغية والطعن في غلوّه الفني والفكري.
لقد أدرك النقاد القدماء أن المتنبي تجاوز مفهوم “الشاعر الصانع” إلى “الشاعر المفكّر”، ولذلك تحوّل شعره إلى نصّ مفتوح على التأويل، تتعدد فيه مستويات القراءة، وتتباين فيه آليات التلقي. فمنذ عبد القاهر الجرجاني حتى النقاد المعاصرين، ظلّ شعر المتنبي حقلًا خصبًا لتحليل البنية البلاغية والوظيفة الجمالية والدلالية للخطاب الشعري.
أولًا: البلاغة بوصفها سلطة لغوية في شعر المتنبي
لم تكن البلاغة عند المتنبي مجرد تزيين لفظي، بل كانت أداة لبناء الهيمنة الرمزية. فهو يوظف الصورة البلاغية لإنتاج معنى يتجاوز حدود اللغة المباشرة، ويؤسس لشخصية شعرية متعالية على الواقع.
يقول:
الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني
والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ
يمثل هذا البيت نموذجًا مكثفًا للتوازي البلاغي القائم على العطف المتدرّج، حيث تتجاور أدوات الحرب مع أدوات المعرفة، في بناء دلالي يجعل الذات الشعرية مركزًا للبطولة والفكر معًا. فالبلاغة هنا لا تصف الواقع، بل تصنعه، إذ يتحول الشاعر إلى أسطورة لغوية تتوزعها حقول القوة والمعرفة.
وقد رأى النقاد أن هذا البيت يختزن ما يمكن تسميته بـ”البلاغة التراكمية”، حيث تتضافر المفردات لتوليد أثر نفسي يتجاوز المعنى المعجمي. وهذا ما أشار إليه الباحثون المعاصرون في دراسات البلاغة التركيبية عند المتنبي، حين أكدوا أن البنية النحوية في شعره ليست منفصلة عن الدلالة البلاغية.
المجلات +١
ومن أروع مظاهر الانزياح البلاغي قوله:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
وأسمعتْ كلماتي من به صممُ
هنا تتحول الاستعارة إلى فعل تحدٍّ وجودي؛
ارسال الخبر الى: