المقاهي التراثية العربية ذاكرة المدن

65 مشاهدة

عرفت المقاهي التراثية العربية خلال السنوات الأخيرة تراجعاً لافتاً. فتوغّل ثقافة الاستهلاك السريع، وتكاثر الفضاءات الترفيهية الحديثة، أسهما في تغريب مقاهٍ طالما شكّلت جزءًا من الهوية البصرية والاجتماعية لعواصم مثل بيروت والقاهرة ودمشق وبغداد والدوحة وعمان. هذه المقاهي، التي تستند في معمارها إلى الجماليات العربية الإسلامية، لم تكن مجرّد أماكن لشرب القهوة، بل مختبرات حية للذائقة الفنية، ومرجعاً بصرياً يوثّق مراحل متعاقبة من تاريخ الفنون العربية الحديثة.
التفكير في هذه المقاهي يقودنا مباشرة إلى الحديث عن علاقة المدينة العربية بالتحديث. فمنذ خمسينيات القرن الماضي، ارتبطت المقاهي بالتحوّلات المعمارية التي شهدتها المدن العربية. لكن عولمة متوحّشة حوّلت العالم إلى قرية بلا حواجز هوياتية ولا ملامح ثقافية واضحة، جعلت الاستثمار في مقهى تراثي ضرباً من المغامرة. صارت مقاهي الأمس العريقة تواجه منافسة غير متكافئة مع مقاهٍ تجارية، سريعة الإيقاع، تفضّل الترفيه على التاريخ والذاكرة.
لم تكن هذه المقاهي يوماً مجرّد فضاءات لتبادل الأحاديث العابرة. كثيرون من الكتّاب والفنانين والأدباء وجدوا فيها مكاتب يومية مفتوحة على الحياة، أنجزوا بين جدرانها رواياتهم، وأغنياتهم، وأفلامهم. في تلك الأمكنة، كان الزمن يبدو وكأنه يتقطّر ببطء من أنبوب ماء قديم، يمنح روّاد المقهى فسحة تأمل، وفرحاً قادماً من نبع مجهول. اليوم، تزحف العمارة التجارية، وتختفي هذه الفضاءات واحداً تلو الآخر، كأنها لم تصمد أمام آلة تحديث بلا ذاكرة.
ورغم محاولات الصمود، يظهر أثر التآكل بوضوح على الكثير من المقاهي المتبقية. الزائر سيجد مساحات معمارية متصدعة، خليطاً هجيناً من المواد والأساليب الهندسية، مقاهٍ فقدت هالتها التاريخية وتحولت إلى فضاءات عادية تبيع القهوة كما تفعل أي سلسلة تجارية. هنا تتبدّى أزمة وعي ثقافي حقيقي بقيمة هذه المقاهي، وبما تمثله من عمق معماري ووجداني في تاريخ المدينة العربية.
المقهى التراثي ليس مكاناً فقط، بل مختبر اجتماعي غني ومتنوّع، يكشف أنماط العيش، القصص، الأفكار، والمواقف اليومية، حيث تختلط رائحة القهوة بدفء الكلام وملامح الناس. إنه مساحة تمنح روادها فرصة للهرب من فداحة الواقع، إلى زمن آخر أكثر رحمة

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح