المغرب تاريخنا المنسي غير العربي
ليس أخطر ما يمكن أن يحدث لشعب أن يُهزم عسكرياً، بل أن يُعاد تشكيل وعيه بطريقة تجعله ينسى نفسه. فالهزائم قد تُنسى مع الزمن، لكن النسيان الممنهج يتحول إلى بنية دائمة، وإلى وعي زائف يتوارثه الناس كما لو كان حقيقة مطلقة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب يعيش، في أحد أعمق أبعاده، حالة من فقدان الذاكرة الانتقائي، حيث جرى اختزال تاريخه في بُعد واحد، مع تهميش - إن لم نقل محو - بقية مكوناته.
إن السؤال الذي ينبغي طرحه بجرأة ليس: هل المغرب عربي؟ بل: لماذا جرى تقديمه باعتباره عربياً فقط؟
وحين نتأمل في الطريقة التي يُروى بها تاريخ المغرب، نكتشف سريعاً أن ما يُقدَّم ليس التاريخ في شموليته، بل نسخة منتقاة منه؛ نسخة تُضيء جانباً وتُطفئ جوانب أخرى، حتى يبدو الماضي وكأنه خط مستقيم يبدأ من لحظة معينة وينبني عليها كل شيء. وغالباً ما تكون تلك اللحظة هي دخول الإسلام ووصول العرب إلى شمال أفريقيا، وكأن ما سبقها لم يكن سوى تمهيد صامت أو فراغ تاريخي ينتظر من يملأه.
غير أن هذا التصور، رغم رسوخه في الوعي العام، يخفي وراءه طبقات عميقة من التبسيط، وربما من الإقصاء غير المعلن لذاكرة جماعية أكثر تعقيداً وثراءً.
فالمغرب، قبل أن يكون عربياً أو إسلامياً، كان فضاءً إنسانياً حياً، تشكّل عبر آلاف السنين من التفاعل بين الإنسان والأرض، وبين القبيلة والمجال، وبين العادات والاعتقادات. وكان الأمازيغ، أو إيمازيغن كما يسمّون أنفسهم، يعيشون في هذا المجال لا بوصفهم جماعات هامشية، بل فاعلين تاريخيين يمتلكون أنماط تنظيمهم الخاصة، ولغاتهم، ورؤيتهم للعالم.
ولم يكونوا مجرد خلفية صامتة للأحداث القادمة، بل كانوا صانعي أحداث في حد ذاتهم، نسجوا علاقات مع قوى المتوسط، وواجهوا الإمبراطوريات، وتفاعلوا مع الفينيقيين والرومان وغيرهم، من دون أن يفقدوا خصوصيتهم. وهذا الامتداد الطويل من الوجود والتجربة لا يمكن اختزاله باعتباره مجرد ما قبل لمرحلة أخرى، لأن في هذا الاختزال نوعاً من نفي الذات السابقة لصالح سردية لاحقة.
المغرب، قبل أن يكون عربياً
ارسال الخبر الى: