العلم و المعرفة ميزان الحضارة و مفتاح النهضة بين تراث ابن الهيثم و تحديات عصرنا كتب أحمد سعيد العمودي
في زمن تختلط فيه الأصوات، وتتعالى فيه دعاوى العلم دون علم، ويضيق فيه فهم المعرفة حتى كاد ينحصر في رقم ومعادلة، يعود السؤال الأقدم في تاريخ العقل البشري إلى الواجهة: ما الفرق بين العلم والمعرفة؟ ولماذا انهارت أمم حين خلطت بينهما؟ ولماذا نهضت أمم حين فرقت بينهما ثم جمعت بينهما؟
هذا المقال خلاصة بحث أكاديمي مطول، كتب بماء الذهب من سجل تراثنا، ومن تجارب أجدادنا، ومن معاناة عصرنا. هو محاولة لإنقاذ العقل من فوضى المفاهيم، وإنقاذ الجامعة من غش البحوث، وإنقاذ الأمة من وهم التقدم بلا منهج.
أولا: التأصيل التاريخي للمفهومين
الكلمة مفتاح العقل. فإذا فسدت الكلمة فسد الفهم.
العلم في لسان العرب هو اليقين المرتفع عن الشك، وهو الإدراك الجازم المطابق للواقع. وهو من العلامة، لأن العالم يضع علامة يميز بها الحق من الباطل. أما المعرفة فهي من العرف ضد النكر. وهي إدراك الشيء وإزالة جهالته، سواء كان ذلك الإدراك برهانا أو ذوقا أو خبرة.
في القرآن الكريم حضر الفرق بجلاء. فالعلم جاء مقترنا بالبرهان واليقين: قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين. أما المعرفة فجاءت مقترنة بالقلب والوجدان: يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها. فالعلم للعقل، والمعرفة للقلب والعقل معا.
وفي التراث الإسلامي رسخت هذه الفروق. قال ابن سينا: العلم إدراك الشيء على ما هو عليه مع البرهان، والمعرفة إدراك الشيء بلا برهان. وقال الغزالي: المعرفة أوسع من العلم، فهي تشمل الظن الراجح والذوق والحدس.
وهكذا ورثنا أمة تعرف أن العلم جزء من المعرفة، لا العكس. وأن من اختزل المعرفة كلها في العلم، فقد قطع نصف شجرة الحكمة.
ثانيا: بنية العلم الثماني الأعمدة
إذا كانت المعرفة بحرا، فإن العلم جزيرة مبنية بثمانية أعمدة. من سقط منها عمود سقط البناء كله.
العمود الأول المنهجية المنضبطة. فالعلم لا يأتي بالصدفة، بل يبدأ بملاحظة ثم سؤال ثم فرض ثم تجربة ثم قياس ثم استنتاج.
العمود الثاني الموضوعية. فالعالم يتجرد من هواه. فالميزان لا يجامل، والتجربة لا تكذب.
العمود الثالث القابلية للاختبار والتكذيب. ما
ارسال الخبر الى: