المعادن النادرة وإعادة هندسة الاقتصاد العالمي
كانت المواد الأولية تحدد بعض المزايا النسبية للدول، وتحدد أيضاً القيمة الاقتصادية والسياسية لبعض المناطق الجغرافية، فعلى سبيل المثال اشتهرت منطقة الخليج بوجود النفط، وتم ربط الأهمية الجيوسياسية للمنطقة بذلك المورد على مدى عقود من الزمن، كذلك اشتهرت أميركا اللاتينية بوجود بعض المعادن فيها. ومن هنا بدأ التنافس الاستعماري على تلك الدول، وليست القارة الأفريقية بمنأى عن هذا التوجه، ومن جنوب أفريقيا إلى الكونغو نجد أن القصة طويلة عن دور المواد الخام في رسم الحدود والتحالفات السياسية.
ضمن هذا السياق التاريخي المتجدد، وفي نهاية يونيو/ حزيران من هذا العام وقع الرئيس الأميركي دونالد ترامب مرسوماً يستند إلى قانون الإنتاج الدفاعي يمنح وزير التجارة صلاحية تقييد تصدير ما يُعرف بالمعادن والمواد الحرجة القابلة للاسترداد، أي المعادن الكامنة في نفايات البطاريات المستهلكة والمغناطيسات المنتهية الصلاحية وخردة الليثيوم والنيكل، وللوهلة الأولى يبدو القرار تفصيلاً تقنياً في سياسة إدارة النفايات، لكنّه في جوهره يعكس كيف تتحول المادة الخام إلى ورقة ضغط جيوسياسية، وكيف يعاد رسم موازين القوى العالمية حول من يملكها ومن يتحكم في معالجتها وتكريرها.
يذكرنا هذا بما حدث مع الذهب والتوابل في عصر الإمبراطوريات، ومع الفحم والحديد خلال الثورة الصناعية، ومع النفط طوال القرن العشرين، ويتكرر النمط نفسه مع 17 مادة غريبة الأسماء تعرف مجتمعة بـالمعادن النادرة او المعادن الحرجة وهي صياغة محدثة لمفهومنا السابق عن المواد الخام أو المواد الأولية.
التنافس على الموارد الاستراتيجية ليس حكراً على العصر الحالي، حين اجتمعت القوى الأوروبية (الاستعمارية) في برلين عام 1884 لتقتسم أفريقيا، لم تكن الخطوط التي رسمتها على الخريطة محايدة، بل كانت مصممة لتأمين الوصول إلى الذهب والمطاط والنحاس والماس في حينها، وتم عن قصد تقطيع أوصال مناطق جغرافية قبلية وعرقية قائمة، مخلفة إرثاً من الحدود المصطنعة لا تزال تغذي نزاعات القارة حتى اليوم، وحين اشتدت الحرب الباردة، كان إقليم كاتانغا في الكونغو، الغني باليورانيوم مثالاً واضحاً، فمن أحد مناجمها جاء اليورانيوم الذي غذى مشروع مانهاتن الأميركي والقنبلتين اللتين أسقطتهما الولايات المتحدة على
ارسال الخبر الى: