ذلك المساء حين أعاد الله تعريفي لنفسي

يمنات
أيوب التميمي
في هذا البلد… لم يعد الموت هو أكثر ما يخيفك.
الأكثر رعبًا… أن ترى طفلًا يحارب الجوع بكرامته.
أن تراه يقف أمامك… لا يمد يده… لا يتسول… بل يعتذر عن جوعه… كأن الجوع خطأ ارتكبه.
هنا… لا يُسرق المستقبل فقط.
بل تُسرق الطفولة.
يُسرق الأمان.
ويُترك الصغار في مواجهة عالم لا يعترف بضعفهم.
في ذلك العصر… كان في جيبي ألف ريال…
وطفل… لا يملك سوى أم مريضة… وجوع لا يرحم.
في تلك اللحظة…
لم يكن السؤال كم أملك…
بل كم تبقى مني… كإنسان.
ألف يتيمة… بلا إخوة… بلا سند… وبلا نية أن تتكاثر.
كنت أعرفها جيدًا… أعرف خشونتها، عدد طياتها… وأعرف أنها آخر ما تبقى بيني وبين الفراغ.
جلست في البوفيه أحتسي قلص شاي ببطء، كأنني أحاول إطالة عمر الألف ريال، أو ربما إطالة قدرتي على التماسك. كان العصر ينسحب بهدوء، والشمس تمارس عادتها القديمة في الهروب من سماء صنعاء المتعبة.
حينها… مرّ الطفل.
لم يكن يبكي.
ولم يكن يسأل.
كان فقط يمشي… كما يمشي الذين فقدوا شيئًا أكبر من أعمارهم.
عيناه لم تكونا لطفل. كانتا أقدم… أقدم بكثير. تلتف لي وتغادرني.
ناديت عليه.
توقف… التفت… ثم اقترب بخطوات مترددة… كأن الأرض لا تثق به أو كأنه لا يثق بها.
سألته:
هل أنت جائع؟
خفض رأسه، وكأن السؤال أهان كرامته، ثم قال بصوت حاول أن يجعله قويًا، لكنه انكسر في منتصف الطريق: “أمي مريضة… أصابتها جلطة… وليس لدينا طعام…”
لم يكمل.
لم يكن بحاجة أن يكمل.
في تلك اللحظة… شعرت أن الألف الريال في جيبي أصبحت ثقيلة… ثقيلة بشكل مؤلم… كأنها حجر… كأنها ذنب.
نهضت.
لم أفكر.
لم أستشر خوفي.
طلبت طعامًا يكفي بيتًا كاملًا… لا طفلًا واحدًا.
حين أعطيته الأكياس… لم يقل شكرًا.
بكى.
وكان بكاؤه أكثر صدقًا من كل كلمات الامتنان التي سمعتها في حياتي.
قال: “أريد أن أتصل بأمي… لأقول لها إننا سنأكل اليوم…”
لم يكن يطمئنها على الطعام…
كان يطمئنها على الحياة.
حين
ارسال الخبر الى: