المرض في زمن التوحش الرأسمالي
منذ أن نطق أبقراط بقسمه الشهير، ارتبط الطب بفكرة أخلاقية عميقة تقوم على حماية الإنسان من الألم، وصيانة الجسد من العبث، وتحويل المعرفة الطبية إلى رسالة تتجاوز المنفعة المادية نحو خدمة الحياة ذاتها. فقد كان الطبيب في المخيال الإنساني القديم، أقرب إلى حارس للوجود الإنساني، يحمل بين يديه قدرة تخفيف المعاناة، ويقف في مواجهة المرض باعتباره تهديدًا لكرامة الإنسان واستمراره. لذلك جاء القسم الطبي الأبيقوري مُحمّلًا بروح أخلاقية صارمة، تجعل المريض غاية في ذاته، لا وسيلة لتحقيق الثروة أو النفوذ أو الهيمنة.
لكن التحوّلات الكبرى التي عرفها العالم الحديث دفعت الطب إلى مسارات مختلفة، حيث دخلت الرأسمالية إلى المجال الصحي بقوّة، وحوّلت الإنسان من كائن يحتاج إلى الرعاية إلى سوق مفتوح للأدوية والتقنيات والعلاجات وشركات التأمين والاستثمارات الضخمة...، عند هذه النقطة بدأ المرض يتحوّل تدريجيًا من مأساة إنسانية إلى فرصة اقتصادية هائلة، ومن تجربة وجودية مؤلمة إلى مورد مالي تتنافس حوله المؤسسات والشركات العابرة للقارات. هكذا نشأ ما يمكن تسميته بـاقتصاد الألم، حيث تُقاس صحة الإنسان بحجم الأرباح التي يمكن استخراجها من جسده القلق والخائف والضعيف.
لقد أدركت الرأسمالية الحديثة أنّ الإنسان يخاف المرض أكثر ممّا يخاف الفقر أحيانًا، لأنّ المرض يضعه في مواجهة مباشرة مع هشاشته الداخلية، ومع احتمالية الفناء والعجز وفقدان السيطرة على جسده. ومن هنا تحوّلت صناعة الدواء إلى واحدة من أكثر الصناعات ربحًا في العالم، حيث تتداخل المختبرات العلمية مع أسواق المال، وتتشابك المعرفة الطبية مع المصالح الاقتصادية والسياسية. إنّ السؤال الذي يفرض نفسه في هذا الصدد يتمثّل في الآتي: إلى أيّ حد بقي الطب وفيًا للقسم الأخلاقي الذي وُلد منه، وإلى أيّ حد أصبح خاضعًا لمنطق السوق الذي يرى الإنسان رقمًا استهلاكيًا داخل دورة الربح ومنطق السوق؟
تُقاس صحة الإنسان بحجم الأرباح التي يمكن استخراجها من جسده القلق والخائف والضعيف
يرى الفيلسوف ميشيل فوكو أنّ السلطة الحديثة لم تعد تعتمد فقط على القمع المباشر، وإنّما أصبحت تمارس هيمنتها عبر التحكّم في الجسد والحياة والصحة. فالإنسان
ارسال الخبر الى: