هل المرحلة تتطلب منا ثقافة تخوين الآخر في الجنوب كتب كمال صلاح الديني

هذا السؤال لم يعد جدلاً نخبوياً معزولاً عن الواقع بل بات ضرورة سياسية وأخلاقية في ظل تصاعد حدة الاستقطاب وتنامي نزعات الإقصاء داخل البيت الجنوبي نفسه...
إن ثقافة التخوين، مهما اختلفت مبرراتها تظل أداة هدم لا بناء، إذ تختزل التعقيد السياسي في أحكام قطعية، وتحول الخلاف الطبيعي إلى صراع وجودي، بما يستنزف الطاقات ويفكك الجبهة الداخلية...
الجنوب اليوم لا يعاني من خصومه بقدر ما يعاني من تباين نخبته وغياب أرضية مشتركة تُدار عليها الخلافات بوعي سياسي ناضج...
أما ربط القضايا بالأشخاص، فهو من أخطر الانزلاقات، فالقضايا العادلة لا تُقاس بأسماء من يحملها ولا تنهض أو تسقط برحيل فرد أو حضوره... وحين تتحول القضية إلى ظل لشخص، تفقد استقلالها وتصبح عرضة للتقلبات والاصطفافات العاطفية، ويُغلق باب النقد الموضوعي...
القضية الجنوبية في جوهرها ليست مختزلة في أشخاص ولا محصورة في مناطق بعينها، بل هي قضية شعب وهوية وتطلعات سياسية مشروعة تتجاوز الأفراد والجهات...
كما أن تغذية النزعات المناطقية تعيد إنتاج صراعات الماضي بدل تجاوزها، وهو ما يزيد المشهد تعقيداً...
وفي السياق ذاته، برزت لوبيات مناطقية أو محلية تسعى أحياناً إلى تسيد المشهد السياسي أو التأثير فيه عبر الانتماء الضيق، لا عبر مشروع وطني جامع، ما يعيد إنتاج العصبيات في ثوب جديد ويضعف منطق الدولة والمواطنة المتساوية المنشودة، ويخلق تنافساً غير صحي داخل الفضاء الجنوبي ويكشف قصور هذا النهج في إدراك تعقيدات اللحظة ومحاولة دفع القضية نحو مسارات صراع جانبي ذو أبعاد إقليمية لا تخدم جوهرها ...
إن ما يحتاجه الجنوب اليوم هو الانتقال من منطق “من معنا ومن ضدنا” إلى منطق “كيف نتفق رغم اختلافنا”، فالتنوع يمكن أن يكون مصدر قوة إذا أُحسن إدارته، والنقد البنّاء والمراجعة الذاتية أدوات ضرورية للنهوض...
ختاماً، لا تحتمل المرحلة المزيد من الإقصاء أو الضجيج، بقدر ما تحتاج إلى وضوح رؤية وشراكة حقيقية ذات أساس متين ...
فالقضية التي تُبنى على الوعي والتوافق هي وحدها القادرة على الصمود، أما تلك التي تُدار بمنطق التخوين أو الحسابات الشخصية
ارسال الخبر الى: