المحرر السياسي مفارقة حوثية دعم التطييف وتهميش التعليم

تكشف الممارسات التي تنتهجها مليشيا الحوثي في مناطق سيطرتها عن تناقض صارخ في نظرتها إلى التعليم، فبينما تبذل جهوداً استثنائية لحشد الطلاب إلى ما تسميه المدارس الصيفية، يظهر التعليم الحكومي الرسمي وكأنه خارج دائرة الاهتمام والأولوية.
فمع بداية كل موسم صيفي، تُسخّر المليشيا مختلف أدواتها الإعلامية والتعبوية للترويج للمراكز الصيفية ذات الطابع الطائفي والفكري. وتُطلق حملات دعائية واسعة عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، وتُخصّص خطب المساجد والندوات والفعاليات لحث أولياء الأمور على إرسال أبنائهم إلى تلك المراكز. كما توفر لها دعماً مالياً ومادياً كبيراً يشمل الكتب والدفاتر والأقلام والأنشطة المختلفة، في محاولة لجذب أكبر عدد ممكن من الطلاب.
في المقابل، يواجه التعليم الحكومي حالة من الإهمال المزمن. فلا حملات توعوية تشجع على الالتحاق بالمدارس، ولا مبادرات لدعم العملية التعليمية، ولا اهتمام بمعالجة المشكلات التي تعاني منها المدارس والمعلمون. بل إن المليشيا تواصل مطالبة المعلمين بالانضباط والالتزام بالدوام رغم استمرار انقطاع المرتبات لسنوات، في مشهد يعكس اختلالاً واضحاً في سلم الأولويات.
واللافت أن الناشطين والوسائل الإعلامية التابعة للحوثيين الذين يملؤون الفضاء الإعلامي بالدعاية للمراكز الصيفية، نادراً ما يتناولون أهمية التعليم النظامي أو يتحدثون عن معاناة المدارس والطلاب والمعلمين. وكأن التعليم الرسمي لم يعد يمثل أولوية بقدر ما تمثلها الأنشطة المخصصة لغرس الأفكار العقائدية والطائفية في أذهان النشء.
هذا التباين يطرح تساؤلات جوهرية حول حقيقة الأهداف التي تسعى إليها المليشيا. فإذا كانت تمتلك القدرة على توفير الدعم المالي والإعلامي والتنظيمي للمراكز الصيفية، فلماذا لا توظف جزءاً من هذه الإمكانيات لإنقاذ التعليم الحكومي وتحسين أوضاع المعلمين والطلاب؟ ولماذا تحظى البرامج التعبوية بكل هذا الاهتمام، بينما تُترك المدارس الرسمية تواجه أزماتها المتراكمة دون حلول؟
إن المقارنة بين حجم الجهد المبذول في الترويج للمراكز الصيفية وبين مستوى الاهتمام بالتعليم الحكومي تكشف أن المشكلة ليست في غياب الإمكانيات، بل في كيفية توجيهها، وهو ما يجعل مستقبل العملية التعليمية في مناطق سيطرة الحوثيين أمام تحديات متزايدة تهدد جودة التعليم وأهدافه الوطنية.
ارسال الخبر الى: