المجتمعات العربية وصورة دوريان غراي

21 مشاهدة

لم يكن الرعب الحقيقي كامناً في فساد الشخصية التي خلقها أوسكار وايلد في روايته صورة دوريان غراي، بقدر ما كان في العلاقة التي نشأت بين دوريان وصورته. تلك الصورة/ اللوحة لم تكن لها أيّ علاقة بجرائمه وفساده، وإنّما أخفت الزمن والعطب والتآكل البطيء الذي يصيب الروح حين تغرق طويلاً في الإعجاب بنفسها. وعندما تآكلت القيم أو أوشكت، لم تعد حياة دوريان مكرّسة للعيش بقدر ما صارت محاولةً لحراسة الصورة من التلف. شيء قريب من هذا يحدث داخل المجتمعات حين تتحوّل صورتها الجماعية إلى مرآة مغلقة تُخفي انحدار القيم. المجتمع يبدأ باختراع لغة تساعده في رؤية نفسه، وفي صياغة سرديات تمنحه شعوراً بالنقاء وتعفيه من مواجهة واقعه العاري. داخل هذا النوع من الوعي، تفقد الذاكرة وظيفتها المعرفية، وتتحوّل إلى جهاز انتقاء يعيد صياغة مفردات العنف بمفردات أخلاقية، بينما تجد الكراهية وصفاً قادراً على منحها شرعية نفسية بحجة العقيدة والإيمان أو حتى المظلومية.
غالباً ما تكشف المجتمعات بعد انتهاء الحروب علاقةً جدليةً بين هذه البنية النفسية المنقسمة على ذاتها والحرب، فتصبح الحرب في الوقت ذاته سبباً ونتيجةً لمحاولة تعقيم اللغة وتنظيفها من الخارج، في حين تنطوي النفوس على طبقات كاملة من الاحتقار والضغائن، وشهوة العصبية التي تميل إلى اختزال الإنسان داخل هُويّته الأولى الضيّقة. عندها يصبح السؤال الأهم متعلقاً بقدرة المجتمع على النظر إلى لوحته المخفية من دون أن يحطّم كلَّ من يقترب منها. ولهذا تفسير واضح لدى العين الخبيرة، فالمجتمعات التي تعيش زمناً طويلاً تحت الضغط لا تنتج سردياتها عن نفسها بدافع الفخر وحده. كثير من تلك السرديات يخرج من حاجة نفسية عميقة إلى الاحتماء. الصورة الجماعية هنا لا تعكس الواقع بقدر ما تعمل قشرةً واقيةً تُخفي الهشاشة الكامنة في الداخل. وكلّما ازدادت التجربة التاريخية قسوةً، ازدادت حاجة الجماعة إلى اختراع حكاية تمنحها الإحساس بالتماسك. لهذا السبب، تميل المجتمعات المأزومة إلى المبالغة في الحديث عن أخلاقها وأصالتها وقدرتها الاستثنائية على الاحتمال. وتتحوّل اللغة هنا تدريجياً إلى نوع من التخدير الرمزي، وتبدأ

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح