المجتمع التراتبي الإنسان في ميزان البيانات

54 مشاهدة
يستيقظ ملايين الناس يوميا على تنبيهات تطلقها هواتفهم أو ساعاتهم الذكية وبعضها تقيم نوعية نومهم ويطلب الملايين سيارة أجرة يقودها سائق يختارونه كونه يحمل تقييما عبر التطبيق ويتسوق مئات الآلاف من متاجر تمنحهم مكافآت بناء على قيمة مشترياتهم هذا الواقع المعيش هو ما يسميه عالما الاجتماع ماريون فوركاد وكيران هيلي المجتمع التراتبي لا يقدم المؤلفان مجرد تحليل لتأثيرات التكنولوجيا على حياة البشر اليومية بل محاولة لتشخيص نظام اجتماعي جديد يقوم على القياس الدائم وتصنيف كل جانب من جوانب الوجود الإنساني وبالتالي ترتيب الناس في طبقات اجتماعية رقمية وفقا لذلك تعمل ماريون فوركاد أستاذة لعلم الاجتماع بجامعة كاليفورنيا في بيركلي ويعمل كيران هيلي أستاذا لعلم الاجتماع بجامعة ديوك في كارولينا الشمالية وقد عملا معا طوال أكثر من عقد مضى وأنتجا أوراقا بحثية عدة كانت تمهد الطريق لنظريتهما الشاملة التي أطلقا عليها اسم المجتمع التراتبي وقد طورا تدريجيا المفاهيم والأدوات التحليلية التي ضمها هذا الكتاب والذي يحللان فيه البنية التحتية للرقمنة جنبا إلى جنب مع تداعياتها الاجتماعية والأخلاقية يطرح الكتاب منشورات جامعة هارفرد 2024 فكرة بسيطة شكلا لكنها عميقة للغاية ومفادها أننا نعيش في عصر يجري فيه قياس وتصنيف مختلف تفاصيل حياتنا وتحويلها إلى وحدات رقمية وأن هذا ليس مجرد جمع بيانات بل تحول أساسي في كيفية تصنيف أفراد المجتمع يبدأ الكتاب برحلة جغرافية ومادية عبر وادي سانتا كلارا في كاليفورنيا والذي كان في خمسينيات القرن الماضي منطقة زراعية خصبة لكنه تحول إلى مركز للتكنولوجيا المتطورة ويتتبع المؤلفان كيف تحول الوادي من أرض تنتج الغذاء إلى أرض تنتج البيانات ويرصدان كيف قدمت شركات وادي السيليكون خدماتها في البداية كـهدايا للمستخدمين من البريد الإلكتروني إلى محركات البحث ثم الشبكات الاجتماعية وكلها كانت مجانية ويستخدم الكتاب نظرية الهدية لعالم الأنثروبولوجيا الفرنسي مارسيل موس لتحليل هذه المرحلة فشركات التكنولوجيا أهدت خدماتها للعملاء لكن المقابل الذي حصلت عليه لم يكن ماليا بل بيانات ولاحقا بدأت الشركات استغلال هذه البيانات فكل نقرة وكل عملية بحث بل كل لحظة تقضيها على أي منصة أصبحت بيانات قابلة للتحليل ثم للبيع ما بدأ إذن خدمة للمستخدمين تحول إلى خدمة من المستخدمين إذ لم نعد الزبائن بل أصبحنا المنتج فكل تفاعل رقمي يترك بصمة وهذه البصمات ليست مجرد سجلات بل مواد خام لصناعة ضخمة من التحليل والتنبؤ وبالتالي التحكم في أزمان سابقة كانت المجتمعات تنظم الأفراد ضمن فئات تشمل الطبقات الاجتماعية والمهن أو الأعراق والأجناس بينما في المجتمع الرقمي يجري تصنيف كل فرد عبر طيف واسع من التقييمات والتي تشمل الدرجة الائتمانية أو نقاط الولاء أو مستوى اللياقة البدنية أو تصنيف المخاطر الصحية أو درجة الموثوقية وغيرها وهذه التقييمات باتت تحدد الكثير من التفاصيل وتحدد أيضا إمكانية الحصول على مزيد من الخدمات من عدمه نعيش في عصر يجري فيه قياس وتصنيف مختلف تفاصيل حياتنا ومن أبرز التصورات التي يطرحها الكتاب مفهوم رأس المال الذاتي وهو يصف أصول البيانات التي تشكل الهوية الفردية الرقمية للشخص بناء على المعلومات المستخرجة من مجموعات البيانات المتاحة عنه ربما يمكن اعتبار هذا المفهوم الحديث نسخة العصر الرقمي من مفهوم رأس المال الثقافي لعالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو لكن بينما يشير رأس المال الثقافي إلى المعرفة والمهارات والأذواق التي تمنح الأفراد مكانة اجتماعية فإن رأس المال الذاتي يشير إلى البصمة الرقمية التي تحدد قيمة الفرد وفرصه الفارق أن المفهوم الأقدم الثقافي كان شيئا يمتلكه الفرد ويمكنه تطويره بوعي أما المفهوم الرقمي فهو يستخرج من الفرد باستمرار ويحسب خوارزميا ويتغير ديناميكيا بطرق لا يمكن للفرد السيطرة عليها بالكامل فهو تمثيل رقمي تمتلكه وتتحكم فيه الشركات بالأساس وفي حين تظهر نظرية بورديو كيف أن تفضيلاتنا الثقافية تكشف وتحدد موقعنا الاجتماعي يظهر فوركاد وهيلي كيف أن هذه العملية قد جرت برمجتها فكل نقرة وكل بحث وكل إعجاب يغذي خوارزميات تصنفنا وتقرر ما سنراه وما سنشتريه ويحدث كل ذلك في أجزاء من الثانية بناء على خوارزميات لا نفهمها ولا نستطيع الطعن في طريقة عملها ويطور المؤلفان مفهوم حالات التصنيف والذي يصف المواقف التي تؤثر فيها تنبؤات الخوارزمية على فرص حياة الناس وتولد أشكالا جديدة من التوقعات الاجتماعية ويمكن تفسير الأمر من خلال أمثلة بسيطة من بينها أنك قد تتردد في الركوب مع سائق سيارة أجرة غير مصنف بتقييم جيد أو لن تستأجر غرفة فندق من غير مراجعة تصنيف المكان وتقييم النزلاء السابقين له مفهوم آخر مبتكر يقدمه الكتاب هو المواطنة التراتبية الذي يصف كيف أصبحت المشاركة المجتمعية الكاملة تعتمد على محافظتك على مستوى التقييم وأولئك الذين لا يستطيعون أو لا يريدون المشاركة في المجتمع الترتيبي يواجهون إقصاء متزايدا ومن هؤلاء كبار السن الذين لا يستخدمون الهواتف الذكية والفقراء الذين لا يملكون بطاقات ائتمان والمهاجرون الذين لا يملكون وثائق رسمية أي شخص خارج النظام يجد صعوبة متزايدة في الوصول إلى الخدمات الأساسية والمفارقة أن محاولات تجنب نظام التصنيف تفشل لأن عدم المشاركة أصبح أمرا مشبوها فمن ليس لديه بصمة رقمية يعتبر شخصا مريبا وباتت محاولة الحفاظ على الخصوصية تفسر بأنها علامة على أن لديك شيئا تخفيه المواطنة الترتيبية إذن ليست اختيارية إنها أحد شروط العمل والسكن والتنقل وحتى الوصول إلى الخدمات الجانب الأكثر إثارة للقلق هو كيف تضفي الخوارزميات شرعية أخلاقية على تسلسلات المجتمع الترتيبي الهرمية فعندما يحصل شخص على تقييم عال لا ينظر إلى ذلك باعتباره تقييما تقنيا بل شهادة على قيمته وبالعكس أيضا أولئك الذين يحصلون على تقييم منخفض لا يعتبرون ضحايا لظروف اجتماعية أو اقتصادية بل ينظر إليهم بوصفهم مسؤولين عن فشلهم الشخصي ولا يتجاهل الكتاب التحولات في سوق العمل فخوارزميات الفرز باتت تحدد من يحصل على مقابلة عمل بناء على تحليل سيرته الذاتية وبصمته الرقمية وحتى نبرة صوته في مقابلات الفيديو المسجلة وتؤكد دراسات متعددة أن هذه الأنظمة تميز ضد النساء والأقليات وكبار السن حتى داخل أماكن العمل بات هناك برامج تتبع لكل ضغطة مفتاح وكل لحظة بعيدا عن الشاشة وعمال المستودعات كمثال يرتدون أساور تتبع حركتهم وتحدد معدلات إنتاجية يجب عليهم تحقيقها وسائقو الأجرة يخضعون لكاميرات تراقب وجوههم للكشف عن علامات التعب أو التشتت ويجري تقييمهم وفق ذلك يتحول الأشخاص إلى بيانات قابلة للقياس والترتيب والاستبدال ليست هذه مجرد أدوات إدارة إنها شكل جديد من أشكال السيطرة يحول الأشخاص إلى بيانات قابلة للقياس والترتيب والاستبدال بينما تذوب الكرامة الإنسانية والتقدير المهني والخبرة المكتسبة في بحر من المقاييس الرقمية حتى إن التعليم وهو آخر معاقل التقييم الإنساني يخضع للترتيبية فالخوارزميات تحدد أي الطلاب يحتمل نجاحهم وتستخدم بعض الجامعات تسعير ديناميكي للرسوم الدراسية وتعرض أسعارا مختلفة للطلاب بناء على احتمالية القبول والقدرة على الدفع وفي داخل المنزل تجمع الأجهزة الذكية البيانات فالثلاجة الذكية تعرف ماذا تأكل ومكبرات الصوت الذكية تسمع محادثاتك هذه البيانات لا تبقى في المنزل إنها ترسل إلى الشركات وتحلل وتستخدم لتحديث ملفك الرقمي يعترف فوركاد وهيلي أن الكتاب لا يقدم حلولا ليس الأمر أنه ليس لدينا أفكار لكننا لا نشعر بأن هذا هو المكان الذي نريد وضعها فيه كما أن خاتمة الكتاب متشائمة وترى أن الحياة في المجتمع الترتيبي لا تحتمل

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح