عن المثقفين وأصنافهم
سال حبرٌ غزير في الحديث عن الثقافة والمثقفين لدى المهتمين بهذا الشأن، وانهالت تساؤلات حول دور المثقفين في المجتمع وأثرهم ومفهوم النخبة، وغيرها من تلك المسميات. بيد أنَّ الغموض والضبابية يعتريان هذا الموضوع كثيراً، فهناك تعاريف عديدة لمصطلح المثقف نفسه! يقول الدكتور محمد عابد الجابري: مفهوم المثقف مفهوم ضبابي في الخطاب العربي المعاصر، على رغم رواجه الواسع، إذ هو لا يشير إلى شيء محدد، ولا يحيل إلى نموذج معين، ولا يرتبط بمرجعية واضحة في الثقافة العربية الماضية والحاضرة، وذلك لأنَّه بقي، على الرغم من استعماله الواسع، يفتقد إلى البيئة الصحيحة داخل الثقافة العربية الإسلامية.
إنَّ مصطلح الثقافة هو الترجمة التي توافق عليها المترجمون العرب لمصطلح Culture، الذي يعرّفه عالم الأنثروبولوجيا البريطاني إدوارد تايلور أنَّه ذلك المركب الكلي الذي يشتمل على المعرفة والمعتقد والفن والأدب والأخلاق والقانون والعُرف والقدرات والعادات الأخرى، التي يكتسبها الإنسان بوصفه عضوًا في المجتمع. إذن، ليست الثقافة تراكم الأفكار والمعلومات، وكذلك ليست كم المعلومات المخزّنة في الذاكرة، وإلّا كان الكمبيوتر أكبر المثقفين قاطبةً! فالمعارف والمعتقدات المتنوعة هي من سمات الثقافة، وإذا كان هناك رابط بين المعلومات المتراكمة والمثقف فهو رابط التوظيف أكثر من رابط المراكمة؛ فالمثقف هو الذي يُوظّف تلك المعلوماتية المتراكمة لديه في هذا النقد الاجتماعي، من خلال نظرته الشاملة نحو الموضوعات العصرية التي تمس مجتمعه الذي يعيش فيه، بل قد يتوسّع، بقدر توسّع ثقافته، كي يقدّم نظرته الشخصية الخاصة بالكون كله؛ لأنَّ المثقف مَنْ يلتحم بثقافته مع مجتمعه ناقداً ومفنداً وبانياً.
أصناف المثقفين
ولمَّا كثر خلْع لقب مثقف على كل مَنْ يملك كماً من المعلومات، مع تباين الرؤى والتصرفات التي يمارسها هذا المثقف أو ذاك في المجتمع؛ ظهرت على السطح أصناف متعددة من هؤلاء المثقفين الذين يمكننا الحديث عنهم. لعل أشهرهم المثقف العضوي، الذي عرّفه الفيلسوف الإيطالي الماركسي أنطونيو غرامشي بقوله: هو المثقف الذي يعمل على إنجاح المشروع السياسي والمجتمعي الخاص بالكتلة التاريخية المُشكّلَة من الفلاحين (الجنوب الإيطالي) والعمال (الشمال الإيطالي)، وهو يقصد بذلك تلك
ارسال الخبر الى: