المثقفون والانكفاء في المناطق الرمادية والأبراج العاجية

ثمة مفارقة تستحق التأمل في سلوك بعض المثقفين اليوم؛ فبينما تتوالى الأحداث العصيبة من حولهم، وتعيد تشكيل حياة الناس ومصائرهم، يختار هؤلاء الانكفاء إلى مساحاتهم الثقافية الآمنة، كأن ما يجري خارجها لا يعنيهم، أو كأن الثقافة جزيرة معزولة تستطيع أن تحافظ على نقائها فيما تتصدع الأرض من تحت أقدام الجميع.
يتذرعون بالرغبة في البقاء داخل الحقل الثقافي، بعيدًا عن التجاذبات السياسية والعسكرية والاقتصادية، وكأن التفاعل مع قضايا الواقع انتقاص من مكانتهم الفكرية، أو خروج عن الوظيفة التي اختاروها لأنفسهم. وهكذا تتحول الثقافة، في بعض تجلياتها، من أداة لفهم الحياة ومساءلة تحولات المجتمع إلى ملاذ أنيق للابتعاد عنها؛ ويتحول المثقف من شاهد على عصره إلى مراقب حذر يفضّل ألّا يترك أثرًا في المشهد، حتى لا يضطر يومًا إلى دفع ثمن موقف.
ليس المطلوب من المثقف أن يتحول إلى محلل عسكري، أو خبير اقتصادي، أو ناطق باسم طرف سياسي. وليس مطلوبًا منه أن يتخذ موقفًا متعجلًا من كل حدث، أو أن يتخلى عن استقلاله الفكري إرضاءً لمزاج عام أو استجابة لضغوط الجماعة. لكن ثمة مسافة واسعة بين التريث الذي تفرضه مسؤولية المعرفة، والصمت الذي تفرضه الرغبة في تجنب الكلفة؛ وبين الاستقلال عن الاستقطاب، والانسحاب من القضايا التي تمس حياة الناس ومستقبلهم.
إن الأحداث الكبرى التي تشهدها بلادنا اليوم لا تستأذن المثقفين قبل أن تعبر أبوابهم، ولا تنتظر فراغهم من مشروعاتهم الثقافية كي تبدأ في تغيير واقعهم. فالحروب لا تظل شأنًا عسكريًا خالصًا، والأزمات الاقتصادية لا تبقى أرقامًا في تقارير الخبراء؛ إذ سرعان ما تتسلل إلى تفاصيل الحياة، وتعيد ترتيب أولويات الناس، وتؤثر في وعيهم وذاكرتهم وعلاقتهم بالمكان والمستقبل. وعند هذه النقطة، يصبح تجاهلها نوعًا من الانفصال عن المادة الحقيقية التي يفترض أن تنشغل بها الثقافة: الإنسان في مواجهة عصره.
والمفارقة أن بعض المثقفين الذين يوسعون دوائر التأمل في قضايا الأدب والإنسان والحرية والعدالة، ويستغرقون في مناقشة التحولات الفكرية البعيدة، يضيق مجال اهتمامهم حين تصبح هذه المفاهيم أسئلة حية في محيطهم المباشر. كأن
ارسال الخبر الى: